.
د. مبروك الدعدر: الدين ليس فلكلورا شعبيا وحركات تؤدى.. بل سلوك ومعاملة
حوار: حسـني كمـال02/04/2018
د. مبروك مبروك بهي الدين الباحث بكرسي الأمير سلطان

أكد الدكتور مبروك بهي الدين رمضان الدعدر - الباحث بكرسي الأمير سلطان بن عبدالعزيز للدراسات الإسلامية المعاصرة، بجامعة الملك سعود، بالرياض - أن القيم الحضارية في الإسلام تشمل كافة مجالات الحياة البشرية، وواقع المجتمعات.

 

وكلما سمت القيم وعلت في مجتمع من المجتمعات، وتحلى الناس بقيم دينهم ساد الأمن واندثرت الجريمة، وعم الإخاء والسلام، وتقدمت المجتمعات وتفوقت، وكلما انحدرت القيم في مجتمع من المجتمعات تخلف وتراجع وكثرت الرذائل وانتشرت الأفكار المنحرفة.

وبسبب اختفاء القيم الحضارية الإسلامية برزت كل السلبيات التي تحيط بنا الآن، وإن طبقنا ما أمرنا به الله من صحة المعاملات، فقد صحت العبادات الشعائرية؛ والعبادات التعاملية هي: أن تكون صادقًا، أن تكون أمينًا، أن تكون عفيفًا، أن تكون منصفًا، أن تكون رحيمًا، أن تكون متواضعًا.

جاء ذلك في حوار خاص لـ"بوابة الأهرام".... وإلى نص الحوار:

** القيم الحضارية في الإسلام، موضوع تناولته في عدد من كتاباتك، ومنها "كتاب نحو مجتمع القيم"، فماذا تعني بالقيم الحضارية؟

القيم هي همزة الوصل بين الحضارة والثقافة، والجسر الذي يربط العلم والسلوك العملي بالحضارة، وتبنى على التطبيق العملي لمفاهيم الإسلام من خلال الفهم الشامل للدين من كل جوانبه التعبدية والتعاملية.

والقيم هي جملة المبادئ، والأخلاق، والأحكام، والتعاليم، والنظم السلوكية، التي تميز حضارة الإسلام، وتبين قدرها، وتُستمَد من تعاليمه، وهي تُشكل الجوانب العملية التي تعكس الصورة الحقيقية لسلوك الأفراد.

ونعني بالقيم الحضارية في الإسلام كافة الأوامر والنواهي السلوكية الواردة في كتاب الله، وسنة نبيه "صلى الله عليه وسلم" في جميع مجالات الحياة، فالعمل قيمة حضارية، والصدق والأمانة والإخلاص والتسامح والعدل وحسن التعامل، وعدم إيذاء الناس في أنفسهم أموالهم.. كلها قيم حضارية يأمرنا بها ديننا.

ولا تخلو حضارة إنسانية من قيم حضارية يعتز بها أفرادها، ويتميزون بها عمن سواهم، في كل العصور والأديان، كما لا يقارن بين هذه الحضارات فقط بالمقياس المادي والترف المادي، ولا بالكمية، وإنما يقارن بينها بالأثر الذي تتركه في سلوك ومعاملات الناس.

ماذا تمثل القيم في الإسلام؟

قد تعجب مما سأقول الآن، ولكنها الحقيقة الساطعة التي يغفل عنها كثير من الناس، وهي أن القرآن الكريم اشتمل في آياته على العبادات والتشريع والقيم والحدود، وكلها إما أوامر أو نواهي أو الآيات الكونية، أو ذكر لتاريخ الأمم السابقة لبيان العبرة.

ولكن.. تأمل وانتبه.. أن عدد آيات التشريع لكافة العبادات في القرآن الكريم، يعني الآيات التي تتعلق بالعبادات الشرائعية (115) آية، صلاة وصوم وزكاة وحج.. إن آيات العبادات تمثل واحد من 66 جزءًا من مجموع آيات القرآن، بينما الآيات التي تأمر بالقيم السلوكية والمعاملات الإنسانية بلغ (1550) آية، فإذا كانت آيات القرآن 6636 آية وآيات العبادات 115 آية، وبهذا تم تحديد نسبة آيات العبادات بالنسبة لآيات القرآن، أي أن آيات القيم والمعاملات والسلوك تصل إلى ربع القرآن.. ماذا يعني هذا؟ يعني عناية الإسلام الفائقة والكبيرة جدًا بالقيم والمعاملات السلوكية للبشرية.

وكل أمر في القرآن الكريم هو أمر يقتضي الوجوب إلا إذا جاء ما يصرفه عن الوجوب، فالأمر بالصلاة والزكاة والصيام، كالأمر بالصدق وأداء الأمانة والعمل، كلها أوامر تقتضي الوجوب.

فكما أمرنا الله تعالى بالصلاة، ﴿ وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا ﴾ أمرنا كذلك بالصدق، ﴿يأيها الذين ءامنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين﴾، وأمرنا بأداء الأمانة، ﴿إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها﴾، وهكذا...في باقي العبادات والقيم الأخرى، فالآمر واحد لا شريك له، وهي أوامر أو نواه تقتضي الوجوب.

** ماذا تمثل تلك القيم في حياة الأفراد وسلوكهم؟

مناط تأثير القيم في حياة الناس وسلوكهم لخصها حديث شريف يسمعه الناس كثيرًا، وهذا الحديث فيه من العمق، والأهمية، ما يحمل الإنسان على أن يعتقد أن التدين الصحيح في المعاملة.

فقد أخرج الإمام مسلم عن أبي هريرة، قول نبينا عليه الصلاة والسلام، (أتَدْرُونَ ما المُفْلِسُ؟ فقالوا: المفْلسُ فينا من لا درهم له، ولا متاع، فقال: إن المفْلسَ مَنْ يأتي يوم القيامة؛ بصلاة، وصيام، وزكاة، ويأتي قد شَتَمَ هذا، وقذفَ هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيُعطَى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فَنيَتْ حَسَناتُهُ ـ قبل أن يُقْضى ما عليه ـ أُخِذَ من خطاياهم؛ فطُرِحَتْ عليه، ثم يُطْرَحُ في النار)، والمفلس بالمفهوم العام: من لا يملك مالًا إطلاقًا، ولكن في منظومة القيم الحضارية في الإسلام، المفلس، هو الذي يقوم بأداء العبادات الشرائعية، من صلاة وصوم وزكاة وحج، ويغفل عن التطبيقات العملية للمقاصد الحقيقية من هذه العبادات في الإسلام.

كلام واضح كالشمس، فالغمَّاز واللمَّاز، ومن يأكل ما ليس له، أو يقبل الرشوة، ومن لا يقوم بعمله على الوجه المطلوب، ومن يسرق، ومن يقتل بحجج واهية ومغلوطة ومنحرفة، ومع ذلك يصلي، ويصوم، ويحج، فما فائدة تلك العبادات التي لا تؤثر في السلوك.

حقيقة الدين هي العبادات التعاملية، إن صحت معاملاته وسلوكياته صحت العبادات الشعائرية، العبادات التعاملية: أن تكون صادقًا، أن تكون أمينًا، أن تكون عفيفًا، أن تكون منصفًا، أن تكون رحيمًا، أن تكون متواضعًا، عندئذ تصح معها العبادات الشرائعية، فتصح الصلاة، ويصح الصوم، والحج، وتقبل الزكاة.

** قلت: إن العبادات شعائرية وتعاملية، ما المقصود بهذه العبارة؟

هذا المعنى يفتقر إليه كثير من الناس، حقيقة الدين أنه بني على خمس، وهي الأعمدة الرئيسة، كما جاء في الشريف الذي رواه البخاري: (بني الإسلام على خمس..).

ولكن البناء لا يقوم على أعمدة فقط، ولا يمكن القول بإن البيت عبارة عن خمس أعمدة، بل هناك مكونات هذا البيت ومكملاته والتي من غيرها لا يمكن أن يطلق عليه اسم بناء.. هكذا الإسلام، فالخمس هي الأعمدة، أما البناء أخلاقي، أساسه هذه العبادات، ومكونات هذا البناء هي تلك التعاليم والأوامر الربانية والتوجيهات النبوية في القيم والسلوك والمعاملات، فالمسلم الحقيقي هو من سلم المسلمون من لسانه، ويده، والمؤمن من أمِنه الناس على أموالهم، وأعراضهم.

فليس المسلم الحقيقي هو من اقتصر على التكاليف التعبدية من صلاة واجبة وصيام وحج البيت لمن استطاع، وأداء الزكاة الواجبة، فلا شك أن هذه العبادات هي من أعمدة هذا الدين العظيم، أي أن الصفة الصارخة في المؤمن ليست صلاته، ولا صيامه، ولا زكاته، ولا حجه؛ الصفة الصارخة هي صدقه، وأمانته، وعفته، ومعها مجموعة القيم الأخلاقية التي تبدأ من أخص خصوصيات المسلم وهي فراش الزوجية وصولًا إلى العلاقات الدولية.

الوسطية

ولذلك فوسطية الإسلام وسماحته تتأكد في العبادات والمعاملات معًا، فالعبادات بينك وبين الله، والمعاملات مع الناس هي التطبيق العملي لنتائج هذه العبادات.

وهذا ليس مفهومًا حديثًا، ولكنه مفهوم متأصل مع نشأة هذا الدين، تأمل جواب سيدنا جعفر بن أبي طالب لما سأله النجاشي عن رسول الله، ماذا قال: "كنا قومًا أهل جاهلية، نأكل المَيتَة، نعبد الأصنام، نأتي الفواحش، نقطع الرَّحم، نسيء الجوار، حتى بعث الله فينا رجلًا نعرف أمانته، وصدقه، وعفافه، ونسبه ـ فدعانا إلى الله؛ لنعبده، ونوحده، ونخلع ما كان يعبد آباؤنا من الحجارة، والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والديار" هذا هو الدين، أن يترك فيك الإسلام والإيمان سلوكًا.

فمع الإيمان يتلازم أن يكون الدين استقامة، وأمانة، وصدق، وعفة، ورحمة، وعدل، وإنصاف؛ وهي فروض تعاملية، هذا الذي يرفع الإنسان، ومعه ترتفع الأوطان وتتفوق في كل مجالات الدين والدنيا.

** هل معنى ذلك أن "الدين المعاملة"؟

المعنى صحيح .. ولكنها ليست حديثًا عن النبي صلى الله عليه وسلم، وإن كان معناها صحيحًا وله دلالة مهمة تؤكد أهمية القيم السلوكية والأخلاق في الإسلام، وهو ما أكدته النصوص النبوية المتكاثرة في هذا الشأن، فمن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق"، ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: "ألا أخبركم بأحبكم إلى وأقربكم مني مجلسًا يوم القيامة؟ فأعادها ثلاثًا أو مرتين، قالوا: نعم يا رسول الله، قال: "أحسنكم خلقًا"، وفي صحيح البخاري عن معاوية رضي الله عنه قال: قال رسول الله "صلى الله عليه وسلم": "إن من خيركم أحسنكم خلقًا"- وغيرها كثير - ما يؤكد على عظمة القيم السلوكية والأخلاق في الإسلام، فالمسلم بأخلاقه يمكن أن يكون داعية دون أن يتكلم بكلمة، فالناس أسرع تأثرًا بالأفعال منهم بالأقوال.

ولذلك نحن بحاجة إلى التطبيق العملي، ليتميز الناس بسلوكهم وتظهر قيم الإسلام الحضارية في معاملاتهم، والتاريخ يؤكد أن الـتأثير الأقوى للمسلمين على مر العصور الأولى كان من سلوكهم ومعاملاتهم، وهو الذي جعل الناس يدخلون في دين الله أفواجًا..

فالدين يظهر في التعامل، أما أن أعمل عبادات وأوهم الناس بالتدين، هنا تكون العبادات فارغة من مضمونها كليًا؛ عندما تأكل حرامًا، أو تسفك دمًا حرامًا، أو تسرق أو تغش أو ... فرَّغت العبادات من مضمونها، "إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا".

** إذا كان هذا هو التصور الحقيقي لوسطية الإسلام، فلماذا لا يقودون الأمم؟

سؤالك في موضعه.. ولتأكيد ذلك جاء في الحديث الشريف الذي رواه أحمد والترمذي وغيرهما، أن النبي "صلى الله عليه وسلم" قال: "لا يُغلب اثنا عشر ألف من قلة" فإذا كان سكان العالم ما يقارب (8) مليار نسمة، ونسبة المسلمين (1.62) ما يقارب (23%) من سكان العالم، ويمتلكون أكثر من نصف ثروات العالم،.. لماذا ليست كلمتهم هي العليا، ولم لا تتحقق فيهم وعود الله تعالى بالنصر والتمكين والأمن والاطمئنان...

الحقيقة المرة.. أولها: لأنهم تفرقوا شيعًا وأحزابًا وجماعات، يقتل بعضهم بعضًا، فاستحل بعضهم الدماء المعصومة في غير رحمة، تعدي على الحرمات، يكفر بعضهم بعضًا، وقول على الله بغير علم، ثم بعد ذلك يدّعي أنه مسلم، فالسبب الرئيس ولا غيره غياب الفهم لحقيقي لهذا الدين العظيم.

وثانيها: لخصه الشيخ العلامة "الشعراوي" عندما قال: إن الوعود جاءت للمؤمنين، (المؤمنين الحقيقيين)، كل وعود الله تعالى ختمت بقوله تعالى "إن كنتم مؤمنين" لأن العبرة ليست بالعدد، فاثنا عشر ألفًا لا يغلبون من قلة؛ نعم.. فإن غلبوا وهزموا فليست غلبتهم وهزيمتهم لقلة العدد، ولكن لسبب آخر غير القلة، أما إن أقاموا هذا الدين عبادة وقيمًا أي سلوكًا، أدوا فرائضه وتحلوا بأخلاقه ومبادئه وقيمه، تحققت وعود الله تعالى لهم.. كتب عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- إلى سعد بن أبي وقاص فقال: إنما يَغلب المسلمون بتقواهم لله ومعصية عدوهم له، فإذا استوينا نحن وهم في المعصية كان لهم الفضل علينا في القوة".

الدين ليس بالأماني والتمنيات، المقياس الدقيق هو الإيمان الصحيح، وما يتركه هذا الإيمان في السلوك الإنساني، من الاستقامة، وحفظ أرواح الناس، وعدم التعدي على حقوقهم وأرواحهم، وحسن التعامل والعشرة.. إلخ، والإنسان إذا كان مؤمنًا، صادقًا، فهو متفوق على مستوى الفرد، وأن المجتمع كله إن أقام حقيقة الدين في معاملاته وسلوكه وأخلاقه وعبادته كان متقدمًا ومتفوقًا، والله معه مؤيدًا ونصيرًا.. فوعود الله تعالى محققة وناجزة لمن يحقق شروطها.. أما إن أصبح الدين شيعًا وأحزابًا وجماعات كل يدّعي وصلًا بليلى، وعبادات شكلية هنا يصبح الدين فلكلورًا  شعبيًا وطقوسًا وحركات تؤدى دون أن تترك أثرًا في سلوك البشر فلا قيمة لها ولا عائد منها.

** ما هي رسالتك الأخيرة التي تراها مهمة في الوقت الراهن؟

هناك قاعدة مشهورة لو فقهها الناس لتقدم العباد وتفوقت البلاد، وجنى المجتمع ثمرتها، وهذه القاعدة تقول: "قَدِّمْ ما تُحْسِن، ودَعْ ما لا تُحْسِن لمن يُحسن، وأَعِدَّ نفسك لإحسان ما لا تُحسن".

كل إنسان يعمل ويجد فيما يحسن ويتقن، وما لا يحسنه ولا يتقنه يتركه لأصحاب الاختصاص، ومعه يسعى ليتعلم ما لا يحسن، نسأل الله تعالى التوفيق والرشاد والسلامة والإيمان، والأمن والأمان لبلادنا وأبنائنا، والحمد لله رب العالمين.

الدكتور مبروك مع المحرر


رابط دائم:
اهم الاخبار
حقيقة هامة و هي أن الوجه مرآة النفس و أنه يمكن للإنسان أن يعرف حالة صاحبه بمجرد النظر إلى وجهه و ذلك بنص الآية الكريمة :( تعر...
من منا لا يحب امتلاك الكنوز، وخير كنوز الدنيا والآخرة هو كنز من كنوز الجنة.
نبذة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم... ولد الرسول محمد بن عبد الله بن عبد المطلب الهاشمي القرشي بمكة عام الفيل الذي جاء أصحا...
فلنستمع معا بقلوبنا قبل آذاننا إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم: "وجعلت قرة عيني في الصلاة" ويبين لنا أن "رأس الأمر الإسلام و...
يوم ولد الحبيب سجل التاريخ كرامات ومعجزات دالة على عظم شأنه ومكانته عند ولادته "صلى الله عليه وسلم" منها: ما رواه أحمد: أن ...
إن خلق الحياء من الأخلاق التى مدحها رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ فالحياء لا يأتى إلا بخير.
الإيميل
الإسم
عنوان التعليق
التعليق