.
البعد النفسي للمرأة في الإسلام
أريج الغباشي28/04/2017

-

الإسلام دين الزمان والمكان، دين التمام والكمال، يخاطب العقل في كل موضع، ويسمو بالنفس، فبنزول القرآن الكريم - بما له من حلاوة وما عليه من طلاوة - خطا بالإنسان من جاهلية تحمل كافة البدع وعوامل التخلف والتأخر إلى قيم ومقومات تحمل الرقي والعلياء بالروح والنفس، فقد عالج الإسلام بجدارة واستحقاق ما فشلت فيه شرائع أخرى أقيمت على المادة وحدها، وتجاهلت جنبات النفس والروح اللتين هما ركيزتا بنيان الله في أرضه وخليفته وهو الإنسان.

 

نخص بالذكر، كيف أن الإسلام سما بالمرأة كمًا وكيفًا؟ - حتى إنه لم يدع شأنًا يخص المرأة، ولاقضية إلا وناقشها وعالجها علاجًا جذريًا، خاصة ما يعتري الجانب النفسي فأشار بعمق إلى كيفية الحفاظ على نفسية المرأة، ووجه إلى التروي والحلم في معاملتها، خاصة أنها خلقت من ضلع أعوج، وأنها ناقصة عقل ودين، فرفع عنها ما لا طاقة لها به، ونهى الله - سبحانه وتعالى - في عليائه ذويها نهيًا تامًا عن قهرها أو عضلها أو إكراهها على إتيان فعل لا رغبة لها فيه.

 

وضع الله تعالى بين طوايا كتابه المبين لفظة "لا تعضلوهن" لفظة عميقةة تحمل كل محمل قد يصيب المرأة من ضرر معنوي أو مادي، وألحق "لا الناهية"" بهذا الفعل؛ لأنه جل شأنه يعلم خلقته التي سوى عليها وبها المرأة، فجعل وجوبيًا النهي عن عضلها، فتلك القارورة التي نعتها محمد بن عبدالله – صلى الله عليه وسلم – بهذا النعت - واصفًا إياها - موصيًا أمته ورجالاتها بها آباء وإخوانًا وأزواجًا وأبناءً وعشيرة، إنما هي خلق ضعيف يتأثر بطبيعته من دقيق الأفاعيل،، فوصفت بالقارورة الزجاجية التي تعامل معاملة الهوينى معاملة خاصة برقة واحتواء يدعم لها نفسها، ويقويها، وينشئ فيها جليل الخلائل، وعظيم الخلائق، والطبائع السامية، فالمرأة أمًا وأختًا وزوجة وابنة ومن لا إرث ولا صهر لها إن هي إلا نفس خلقها الله تستوجب الحماية والترقي في معاملتها، حتى ترقى فتصنع الرقي وتصدره حولها، فهي إن نشأت نشأة سوية، وإن أحسن مثواها من الناحية النفسية كانت مصدرًا، ومنارًا للخير، ومنبرًا للنور.

 

فلقد قال الله تعالى في محكم تنزيله: "وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ "

 

فلفظة "لا تعضلوهن" تحمل محتوى مادة "عضل" التي تعني التقويض والإكراه والجبر على إتيان فعل لارغبة فيه، فنهى نهيًا تامًا عن العضل والإكراه والقهر، كل هذه الأفعال إنما تتصل اتصالًا وطيدًا بالنفس التي هي قيام الإنسان، فإن استوت استوى فعله واستقام، وإن اضطربت أو أصابها العوج فكان قرينًا بفعله الإعوجاج.

 

ففي زمن الجاهلية كانت المرأة لاترث وكانت تورث مثلها مثل المال، فإذا مات زوجها صار لأوليائه عليها حق في إرثها ضمن تركته، ولهم الأحقية في أن يزوجوها أو إن شاءوا منعوها الزواج فهم أحق بها من أهلها في عرف الجاهلية، أيضًا كان الرجل يحبس المرأة كرهًا حتى تفتدي نفسها فتعطيه ما أراد من مالها أو حتى تموت فيرثها، إلى أن جاء الإسلام حررها من عبودية هؤلاء الأولياء، حررها من جاهلية عبوس جثمت على صدرها وحكمت عليها بالتبعية، وجعل لها إرثها، وجعل لها ذمتها المالية التى لها وحدها حق التصرف فيها، وكرمها تكريمًا لايضاهيه تكريم للمرأة في شريعة أخرى أو قانون.

 

ثم في موضع آخر جاء ذكر القرآن للفظة "لا تعضلوهن" في قوله تعالى: "فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُم بِالْمَعْرُوفِ" نزلت هذه الآية في الرجل يطلق امرأته طلقة أو طلقتين، فتنقضي عدتها، ثم يبدو له أن يتزوجها وأن يراجعها، وتريد المرأة ذلك، فيمنعها أولياؤها من ذلك، فنهى الله أن يمنعوها لما لهذا من أثر سيئ على نفسية المرأة وقهر لها، وإكراه على غير ماترغب فيه، 

 

فتكرار هذا النهي إنما يدل على تمام حرص القرآن العظيم على مراعاة نفسية المرأة، أي أن الإسلام الحنيف جاء مقتفيًا للنفس البشرية، وتدارسها وتدارس كل أعراف الجاهلية التي قهرت المرأة. 

فقد كانت إما موءودة في مهدها أو منبوذة إذا بشر ذووها بالأنثى، والقرآن الكريم هو كلام الله، خالق تلك النفس فلا تنافر ولاتضاد، يعلم سبحانه كينونتها وتوجهاتها وغاياتها، فوضع لها كل القوانين المحكمات التي لا تزيغ عنها النفس، بل تنسجم معها وتتوافق وتتجانس، فهو لم يضع قوانين جوفاء صلدة غير قابلة للتطبيق والتبوتق مع نفسية المرأة التي نحن بصددها، لكنه نسجها كأنها الماء يروي الشجرة؛ طبيعة في طبيعة، هذه هي القوانين التي شرعها الله وجعلها منهاجًا لنا، فيعلم سبحانه مايسر النفس وما يكدرها، وما تطيقه وما لاتطيقه. 

فلما كان هو الذي أضحك وأبكى، فهو يعلم أن المرأة يؤثر عليها الحزن كأحد الآثار النفسية السلبية؛ ففي قوله سبحانه وتعالى "وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا"، فقد أثبت العلم الحديث أن في القلب أوتارًا تربط بين جنباته، فإذا ما ألم الحزن بالأنثى تمزقت تلك الأوتار، وتباعدت الجنبات فملأه الفراغ.

 

أيضًا تطرق الإسلام للتخفيف عن المرأة في شأن العبادات كالصيام والصلاة في أوقات خاصة - وهي حائض - فقد ثبت علميًا ما يصيبها فيها من الاضطراب النفسي والوهن الجسدي فلا تستطيع القيام بها، فكان رءوفًا بها، فلم يثقل عليها، بل أسقط عنها بعض الفروض.

 

الإسلام أعطى لقضية المرأة النفسية نصيبًا عدلًا يتناسب وقدر الدور الذي يقترن بالمرأة فهي نواة المجتمع، وهي عضد خفي يرتكن إليها ولدها، وزوجها، وأخيها، وأبيها، تقام على كاهلها أمة كاملة.


رابط دائم:
اهم الاخبار
هكذا خلصت دراسة حديثة مشتركة صادرة عن الصندوق الاستقصائي بالمعهد الوطني، (مركز إعلامي لا يهدف للربح)، ومنصة "ريفيل" الإخبارية...
المسلم ينوي نية خالصة لله جل وعلا؛ أن يكون عبدًا مستقيمًا طائعًا كما كان في رمضان، فالاستقامة بعد شهر رمضان على طريق العبودية...
تم الاجابة على هذه الفتوى بتاريخ : التاريخ : 17/11/2013 وبالرقم المسلسل : 3615
صلة الأرحام والإحسان إلى الأقارب في العيد أمر يحبه الله جل وعلا، قال تعالى: "وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً...
لقد اشتملت آيات الصيام في سورة البقرة على ثلاث رسائل ربانية؛ من الأهمية بمكان لكل مسلم أن ينتبه إليها، وسوف نعرضها باختصار وإ...
شرع الله للمسلمين بعد إكمال صومهم وما معه من العبادات التي يتقربون بها إلى ربهم في شهر رمضان، أن يكون اليوم الذي بعده عيدًا ل...
الإيميل
الإسم
عنوان التعليق
التعليق