.
الخطاب الديني قضية أمن قومي (2-2)
محمد أمين المصري11/02/2017
.

أكدت الدكتورة منية "العلمي" في الجزء الأول خطورة الإرهاب في منطقة شمال إفريقيا؛ مما يتطلب إحداث تغييرات إستراتيجية، ويؤيدها في ذلك الدكتور عمرو الورداني؛ ولكن في مؤتمر مكتبة الإسكندرية، خاصة عندما يؤكد أن قضية تطوير الخطاب الديني قضية أمن قومي.

.

وبما أنه تحدث ضمن جلسات مؤتمر مكتبة الإسكندرية، فقد حدد في كلامه أن التطرف يأكل في بنية المجتمع المصري ويفتت الأسرة والانتماء والتماسك والقيم والتقاليد، لقد تصدى "الورداني" بشجاعة إلى تحديد سبب المشكلة: "وجود إشكالية لدى أهل الخطاب الديني، وهي التعامل معه من منطلق المفهوم الشرعي والدعوة بعيدًا عن مفهوم الممارسة الدينية التي يدخل ضمن إطارها كل عمل ديني؛ سواء أكان معرفيا، أم تنمويا".

 

ولم يتوان "الورداني" عن توجيه سهام النقد إلى أهل الخطاب الديني أنفسهم، وزاد بأن :"إرادة التغيير والتطوير للخطاب الديني لا تكفي وحدها، وإنما يجب أن تكون هناك حُسن إدارة لتلك الإرادة تستطيع وضع مؤشرات لقياس وتقييم الخطاب الديني".

 

لم يترك مسئول التدريب في دار الإفتاء الأمور هكذا، حيث أراد تحديد المؤشرات الرئيسية لنجاح المؤسسة الدينية في تجديد الخطاب الديني، وهي: الاهتمام بما قبل المعرفة، وهو القدرة على التعامل مع البيانات والمعلومات، والمساهمة في التنمية الوطنية، والتفاعل مع السياقات التي أنتجت عن طريق العلوم الاجتماعية، وقابلية التنوع وإدارة الخلاف، والاعتماد المعرفي، وجدية الطرح وصحته وموضوعيته بحيث لا يقدم المعرفة بشكل مرسل دون ربطها بالقضايا الحالية، والقدرة على التوقع واستشراف المستقبل، ومراعاة منظومة القيم الإنسانية، والقدرة على مواجهة التيارات المنحرفة التي نشأت بسبب عدم وجود حزمة حلول يمكنها تطويق التيارات المنحرفة.

 

ومثل "الورداني"، اتسم خطاب الدكتور أحمد التركي مسئول التدريب بوزارة الأوقاف بالعقلانية، خاصة عندما حمل المؤسسة الدينية مسئولية تبنيها - حتى تاريخه - موقفًا رماديًا، ولكنه استدرك هذا بقوله :"هذا الموقف الرمادي غير متعمد"، لماذا الاتهام الضمني ثم الاستدراك؟.. لأن "التركي" يعترف بأن لدى المؤسسة الدينية الحماس والرغبة في عملية التطوير.

 

ويضع هنا جملة من المتطلبات كي تتطور بالفعل، وهي استئصال العديد من العوائق، واستصدار قوانين تتيح لها سحب الشهادات العلمية الممنوحة لـما أسماهم بـ"شيوخ الجهاد"، الذين يدعون الشباب للعنف والتطرف، والذين ثبت تورطهم في دعم الإرهاب أو التحريض على العنف، وعزل القيادات الذين تولوا مناصب في المؤسسة الدينية ممن ينتمون للمؤسسات الاجتماعية التي ظهرت في القرن العشرين كجماعات دينية، في إشارة مستترة الي جماعة الإخوان الإرهابية.

مكونات العمل الإرهابي

تنتقل "العلمي" في ورقتها إلى المكون الرئيسي في العمل الإرهابي، وبالطبع لا يحتاج هذا الأمر إلى نقاش، فهذا المكون أو الآلية كما تسميها الأكاديمية التونسية هو "الدين"؛ لأن الأرضية الدينية هي الأرضية السانحة لتعلّقها بالمشاعر العقيدية التّي تيسر دغدغتها في ظل ضعف تكوين عامة شباب المنطقة العربية من جانب التأصيل الدينيّ على الخصوص، فتكوينهم هشّ يسهل اختراقه، بالإضافة إلى ارتفاع نسبة الأمية بالوطن العربي، بالتزامن مع فشل بعض الحكومات في معالجة المسألة من خارج المنظومة التّاريخيّة والاجتماعية والاقتصادية لتلك الشّعوب، وكذلك منظومة الهوية بكل إشكالاتها وتفاصيلها وأزماتها، كما لا يمكن إغفال الأسباب الاقتصادية وغياب العدالة الاجتماعية الّتي كثفت حركة الهجرة إلى المدن، وأدت إلى انتشار الأحياء العشوائيّة الفقيرة، فالبطالة تسهل عملية استقطاب الشباب المغرق في مشاعر الإحباط واليأس والعجز وارتباك الشخصية.

 

بالإضافة إلى توجيه الباحثة التونسية اللوم للحكومات في إهمال جيل الشباب وعدم صونه وحمايته، تضع سببًا آخر يسهم في تأصيل الإرهاب: "التأويل المنحرف لبعض آيات القرآن الكريم حيث يساعد هذا في إحداث التغيرات الجيوستراتيجيّة بالمنطقة، بل بالعالم بأسره حيثما وُجد متطّرفون"..لماذا؟ التساؤل من عندنا، أما الإجابة فنتركها للدكتورة منية العلمي: "يعيش أغلب شباب منطقتنا، حالة من الفراغ الفكري التي مثلّت عاملًا قويّا للفهم الخاطئ للدين".

 

وهنا تربط "العلمي" بين الفراغ الدينيّ بـ"الجهل بالمبادئ السّامية للدين"، بما يمثّل منفذًا لعناصر الجماعات المتطرّفة المسئولة عن الاستقطاب تنفذ منه بيسر لحشو ذلك الفراغ بما طاب لها من التأويل المنحرف للآيات القرآنيّة، وتوظف هذا توظيفات ملفّقة مُقتطعة من سياقها ومن ظرفيّة نزولها، ممّا أنتج عقولا مشّفرة بالتّلقين، عقولًا متطرّفة مفخّخة إرهابيّا.

 

وتورد الأكاديمية بجامعة الزيتونة التونسية - على سبيل الذّكر لا الحصر- البعض من تلك الآيات الكريمة التي حولها قائدو – شيوخ - المحارق الشبابيّة بتفسيراتهم المغلوطة إلى آيات دمويّة، للإيقاع بالشباب في براثن الجهاد الموهوم والزجّ بهم في قضايا ليست قضاياهم على غرار المحرقة السورية، بعد أن وقع اقتطاع تلك الآيات من سياقها، وتغييب أسباب نزولها إلى جانب استحضار منظومة الناسخ والمنسوخ بما يمضي بتلك الآيات نحو الدلالة الوحيدة المرادة، وهي دلالة التكفير والقتل بما يتنافى تمامًا مع فلسفة الحرب في الإسلام، ومن أمثلتها:

*سورة البقرة: "وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ " (آية190). و"وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ ۚ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ ۚ وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّىٰ يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ ۖ فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ ۗ كَذَٰلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ" (آية 191).

 

* سورة النسّاء: "فَإِن لَّمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْۚ......" (آية 91).

* سورة الأنفال: "وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ" (آية 39).

* سورة التّوبة: "كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِندَ اللَّهِ وَعِندَ رَسُولِهِ.." (آية 7).

*"إنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ" (آية 65).

*"قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ..." (آية 29).

*"فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ" (آية 5).

وتشير "العلمي" إلى أنّ الآيات التي تضمنّت مادّة "قتل" بأيّ صيغة من الصيّغ الصرفيّة بلغت 38 آية، موّزعة بين سور القرآن الكريم كالتّالي: البقرة 7، آل عمران 5، والنساء7، والأنفال3، والتوبة8، والحجّ1، ومحمد2، والفتح1، والحديد1، والصفّ1، والممتحة2.. هذا الي جانب الآيات المتضمنّة لمصطلح"الجهاد" والتي وردت 26 مرّة و"النّفير"، وعددها 6 آيات.

 

والمؤكد كما تقول الدكتورة منية العلمي: "دعاة التطرف لم يوظفوا هذه الآيات في سياقها الفعلي، لأنها لو تم توظيفهاهكذالأفرغتمنالدلالاتالدمويةالتيتبدومُتضمّنةلها".. غيرأنأجهزةالاستقطاب – دعاة التطرف والإرهاب - حرصواعلىتغييبكلّالإشاراتالحضاريّةالتيتحيطبها، إشارات السّلام والمحبّة والحياة، كقوله تعالى: "وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا" الأنفال 61، حيث أجروا عليها منظومة النّسخ، ليعتبروها آية منسوخة بقوله تعالى: "قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ" التوبة29، وكقوله تعالى: "وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ"، كما وقع إعدام آيات التقريب والتّسامح والتّآخي مع أهل الإيمان، بدعوى النّسخ كذلك وبأيّ تلفيقات أخرى مسيئة ومشوّهة لعالميّة الإسلام ولمدنيّته ولمضمونه الحضاريّ، هذا إلى جانب اقتطاع آيات أخرى من سياقها وبترها عن وحدتها الداخليّة والخارجيّة المقنّنة لمسألة القتال في الإسلام، والتي لا تخرج عن نطاق ردّ الاعتداء واحترام العهود والمواثيق والانتباه لمن ينقض عهده مع المسلمين في إطار أنّ الله تعالى قد علّم رسوله التّقوى والأمانة والوفاق، وكذلك اليقظة والانتباه والسيّادة والكرامة.

 

كما لم تغفل "العلمي" وسيلة التكفيريين في تغييب منهجيّة التحليل الاستقرائيّ السيّاقي للقرآن الكريم والتّعامل مع آياته الكريمة في إطار وحدات متفرّقة من دون اعتبارها وحدة كليّة تسوّق لمنظومة وقيم جوهريّة، ناهيك عن تغييب الفهم المقاصديّ للقرآن الكريم، وهو الفهم الوحيد الضّامن لعالميّته وخاتميّته، إلى جانب منظومة التلاعب بالنّاسخ والمنسوخ ومنظومة أسباب النزول، خدمة لإيديولوجيّات مهترئة، والهدف من تحريف التأويل، هو اللعب على الجانب النفسي للشباب الذي تم استقطابه أو حتى لتحريضه على الانضمام للجماعات المتطرفة.

 

وهنا تقترب الباحثة في علوم القرآن والتفسير بجامعة الزيتونة التونسية من نقطة مهمة، عندما تشير إلى أن ما سبق يرتبط بالعامل النفسي بقراءة الوضع الإنهزاميّ للشعوب العربيّة، والذّي رفع منسوب الشّوق للانتصارات الماضية واستعادة أمجادها بأنظمتها "الخلافة".. ولذا، تطالب الخبراء والقيادات العسكرية والحكومات بالاهتمام أكثر بالشباب، إذا كانت راغبة فعلًا في التصدّي للمؤثرات المباشرة لتقسيم الأرض وإعادة رسم الحدود، وذلك تجنبًا للمزيد من استقطاب شيوخ التطرف للشبّاب، والذي يُعتبر الخزّان البشريّ والدّاعم الأساس للمدّ العسكريّ للجماعات الإرهابية.

 

ربما انتهت ورقة مؤتمر تونس، إلا أن ما دار في جلسات مؤتمر مكتبة الإسكندرية يستحق التركيز عليه، خاصة لما أورده الدكتور عمرو الورداني من أن ما أدى إلى تفاقم الأزمة الحالية هو ضعف التواصل وتنسيق الجهود بين العلماء المعتدلين؛ مما أدى إلى بطء في اتخاذ المواقف من قبلهم، وقلة الدعم للمنهج الديني المعتدل، وعدم الاهتمام بدراسة التيار الديني المتشدد وضعف البحوث التحليلية الدينية له، وعدم وضوح الإستراتيجية والأهداف لدى بعض العلماء المعتدلين، وضعف الانتماء للمنهج الديني المعتدل، وضعف الحماس وسيادة اللامبالاة.

 

وبعد تحديده محفزات الإزمة، لم يرد "الورداني" أن يخل مسئوليته إلا ووضع يده على الحلول لمواجهة الضعف الذي أصاب الخطاب الديني، وتبدأ بملء ما أسماه بـ"الفراغ الديني" بوجوه جديدة وأفكار ومعاني ومداخل جديدة، وإنشاء علوم الخطاب الديني؛ ومن بينها إدارة الخطاب الديني، وعلم نفس الخطاب الديني، وإعلام الخطاب الديني، وتبني إستراتيجية المبادرات الدينية لاستعادة الثقة لترميم المجتمع، واستعادة قوى صلبة دينيًا للساحة الصوفية لملء الفراغ الذي تم عمدًا عندما تم تعديل الحالة الدينية في مصر بإقصاء بعض التيارات عن الساحة.

 

وتابع بأن هناك حاجة إلى وجود مرصد ديني ضخم لرصد الخطاب الديني وتحليله، وإقامة مجموعة بؤرية لإدارة أوقات الخطاب الديني، والتنويع في الخطاب الديني بحيث يصبح خطابًا حضاريًا.

 

واستكمل الدكتور أحمد التركي عملية الخروج من المأزق الراهن، بضرورة تبني منهجين في التعامل مع الخطاب الديني، أولهما قيام أهل ذلك الخطاب بعرض الدين على الشباب، وثانيهما معرفة احتياج الشباب من الدين. ويعترف "التركي" بأن المشكلة التي حدثت للخطاب الديني في مصر سببها اتباع المنهج الذي يقوم على عرض الدين على الشباب دون البحث عن احتياجاتهم من هذا الدين، لاسيما مع التغيرات الحضارية السريعة التي حدثت في القرنين العشرين والواحد والعشرين، مما أحدث فجوة بين الخطاب الديني الذي لم يتطور والخطاب الحضاري الذي تطور بشكل واسع.


رابط دائم:
اهم الاخبار
عندما يهل علينا شهر ذي الحجة‏,‏ تحل علينا النفحات والبركات‏,‏ ويحدونا الشوق والحنين إلي زيارة البيت الحرام‏..‏ تهفو النفوس وت...
غدًا هو أول الأيام البيض، وصيام الثلاثة البيض سنة مؤكدة عن النبي "صلى الله عليه وسلم" وصيامها كصيام الدهر كله.
نودع رمضان بحزن على فراقه وفرحة لاستقبال العيد.. ففى آخر أيام رمضان فرض زكاة رمضان الذى أوصانا بها رسول الله وما قاله الرسول ...
تختلف العادات والتقاليد من بلد لآخرى فى استقبال العيد، ولكن الذى يرجى اتباعه هو سنة نبينا محمد "صلى الله عليه وسلم" فى شرعية ...
من اهم الاحداث الاسلامية فى يوم التاسع والعشرين من شهر رمضان فرض الزكاة وصلاة العيد عام 2هـ، بناء مدينة القيروان فى عهد عقبة ...
الاصلاح بين المتخاصمين سواء كانوا افرادا او عشائر هو صلاح وفضل عظيم عن الله ورسوله
الإيميل
الإسم
عنوان التعليق
التعليق