.
مواجهة الإرهاب ما بين جامعة الزيتونة ومكتبة الإسكندرية (1-2)
محمد أمين المصري09/02/2017
.

على مدى فترة زمنية لم تتعد سوى شهر تقريبًا، شاركت في مؤتمرين يبحثان في كيفية مواجهة الإرهاب والتطرف، ووصف المشاركون في كلا المنتديين التطرف بأنه "أعلى مراتب العنف"، وأن هذا التوصيف تحديدًا – العنف – هو بداية الإرهاب.

 

فالمتطرف شخص منحرف، عنيف، ومن ثمة إرهابي.. اختار المنتدى الأول بالعاصمة التونسية عنوان "التحولات الجيوستراتيجية وتداعيات صراع القوى الخارجية على منطقة شمال إفريقيا" فيما اختارت مكتبة الإسكندرية شعار "العالم ينتفض.. متحدون في مواجهة الإرهاب" لمؤتمرها. وما بين جامعة الزيتونة ومكتبة الإسكندرية، اتفق المشاركون علي أن مواجهة الإرهاب لن تكون فقط بتطوير الخطاب الديني، حتي وإن كان هذا الأمر يتطلب صحوة من علماء الإسلام بجميع تخصصاتهم، فالمطلب الأهم هو ضرورة تبني الحكومات العربية نهضة علمية وثقافية واقتصادية لقطع الطريق على دعاة التطرف ومنعهم من استقطاب شباب جاهل، أمي ثقافيًا ودينيًا، عاطل عن العمل، وإن لجأ للدين، ذهب الي دعاة التطرف والإرهاب، ربما لم يذهب طواعية، لأن وسائل الاستقطاب متعددة، وأبسطها وسائط التواصل الاجتماعي.

 

وبرغم أن المنتدى التونسي عقد تحت رعاية المركز الدولي للدراسات الإستراتيجية الأمنية والعسكرية، وناقش التحديات والرهانات الأمنية التي تواجهها وستواجهها منطقة شمال إفريقيا وجنوب المتوسط، إلا أن "الإرهاب" كان عنوانه الأبرز لأن كل دول شمال إفريقيا تعاني من تصاعد العمليات الإرهابية، ما آثار الصراعات والنزاعات الداخلية والتنافس بين القوى العالمية المتنازعة على الأمن القومي للمنطقة ككل.. وكان لمؤتمر مكتبة الإسكندرية السبق في البحث بجدية في مسببات الإرهاب، ثقافيًا وعلميًا واقتصاديًا، وبرغم إنه لم يخرج بتوصيات ختامية، إلا أننا سنتطرق إلى مداولات جلسة "تطوير الخطاب الديني في مصر" والتي شارك فيه الدكتور عمرو الورداني مسئول التدريب في دار الإفتاء، والدكتور أحمد تركي بوزارة الأوقاف.

 

البداية من تونس الخضراء، فمع تعدد وتنوع المشاركات والمداخلات ما بين سياسية وأمنية وإستراتيجية، إلا أن تركيزنا انصب علي ورقة د. منية العلمي الأستاذة بالمعهد العالي لأصول الدين بجامعة الزيتونة التونسية. لم تكن الورقة أو المشاركة الوحيدة المرتبطة بالدين مجرد إشارات بحثية تخاطب بها "العلمي" جمهور المشاركين في مؤتمر "التحولات الجيوستراتيجية وتداعيات صراع القوي الخارجية علي منطقة شمال إفريقيا"، وإنما ركزت تحديدا علي كيفية مواجهة الفكر المتطرف بآليتين، الأولي يتفق عليها الجميع وهي تبني برنامج عمل مشترك بين دول منطقة شمال إفريقيا للتصدّي للإرهاب، يشمل التّعاون الإستراتيجيّ الأمنيّ والإستخباراتيّ والتعاون على فكّ شفرة الإستقطاب. والآلية الثانية، تكمن في التصدّي للتأويلات المنحرفة للقرآن الكريم والتي يتم من خلالها استقطاب الشباب. ولم تغفل "العلمي" هنا ضرورة إعداد قادة دينيّين أكاديميين من الجنسين، لنشر وتسويق خطاب مضاد للخطاب التكفيري، على أن يكون أساسه العلم بأصول الشريعة ومقاصدها وعلوم القرآن والتّفسير والمناهج والعلوم الحديثة.

 

ومن منطلق هاتين الآليتين، كان أساس عنوان ورقة أستاذة علوم القرآن والتفسيرفي جامعة الزيتونة "تعدّدوثباتالمعالجةالقرآنيّة..فيظلّالتغيّراتالجيوسياسيّةلمواجهةالفكرالتكفيري والإرهاب"، وقد أرادت الإشارة في مقدمتها إلى أن الحديث عن النصّ القرآنيّ في الإطار الجيوستراتيجيّ المفعم بالإشكالات والتعقيدات والعقبات. ورغم هذا، لم نراها متشائمة، بل ترفض التشكيك في إمكانية حل معضلة الإرهاب، وبالقرآن ذاته: "فإذا كان شيوخ التطرف يحرفون آياته لمصلحة التسويق لنواياهم الخبيثة، فإنه يتعين على العالمين بأصول القرآن والحديث والسنة والفقة والعقيدة، بتوجيه الخطاب الديني اليوم، على الموازنة القرآنيّة بين الثّابت والمتعدّد.. الثّابت من حيث القيم الإنسانية الجوهرية الواحدة، والمتعدّد من ناحية القراءات المتعددة والتي تفتح مجالًا نحو مفاهيم حضارية ومدنية تستمر بها ومن خلالها، المفاهيم القرآنيّة العالميّة المنسجمة مع المفاهيم الإنسانيّة والحقوقية المعاصرة".

 

الفلسفة الرشيدة للقرآن

ليس هذا فحسب، لأن د. منية العلمي وانسجامًا مع تخصصها في علوم القرآن والتفسير، لا تغفل هنا عن المطالبة بضرورة التعامل مع القرآن الكريم على اعتباره " وحدة كلّية إنسانيًا وعالميًا مع التركيز على الكليات القيمية فيه من أجل استخلاص السنن اللا زمانيّة واللا مكانيّة الضابطة لكافة أبعاد العمران الإنساني". وتسترشد "العلمي" بقول الزّيتوني المستنير المرحوم الطاهر الحداد عندما أوضح في كتابه "مرآتنا في الشريعة والمجتمع" والذي أثار ضجّة عند صدوره :"يجب أن نفرق بين ما جاء به الإسلام وما جاء لأجله "، فما جاء به، هو تشريعات جزئية ظرفية متوائمة مع زمانها ومكانها وسياقاتها التاريخيّة والاجتماعية..أما ما جاء لأجله، فهو تلك الكليات القيمية الحضارية التي لا تزال تصنع استمراريته وامتداده ضمن أفق رحب من السماحة والسلام. وهذه هي "الفلسفة الرشيدة" في التعامل مع القرآن، كما تصفها الأستاذة بجامعة الزيتونة.

 

نعود الي البحث التونسي الذي يشير إلى مجموعة الآيات التي اختزل دعاة التطرف والإرهاب كلماتها ليصوغوا بها معان تدغدغ عقول الشباب الذي تم استقطابه ليشكلا معا – دعاة التطرف والشباب المتطرف – أساس الجماعات الإرهابية الراديكالية - التي تمثل وقود التحولات بالمنطقة، حيث تمتلك القدرة على تغيير جغرافية الأرض بما تقدم عليه من أعمال قتل وتفجير وتهجير.. فهذه الجماعات عبارة عن "محارق متجوّلة"، وتساهم في تنفيذ مشروعات التقسيم وإعادة رسم الحدود؛ ولذا، تشدد "العلمي" على أهمية منع هذه "المادّة البشريّة" أو "الخزّان البشري" من الانضمام الى الجماعات المتطرفة.

 

لم تستخدم "العلمي" في ورقتها الصياغات المبهمة أو المغلفة بنصوص صعبة الفهم، فهي تحدد مطلبها وهو ضرورة البحث أساسًا في مصطلح الإرهاب، واكتشاف كيفية تطور التأويل المنحرف لبعض آيات القرآن الكريم، وأثر ذلك في التغيرات الجيوستراتيجية بالمنطقة، علي أن يعقب هذا، تسويق الإمكانات الحضاريّة للقراءات التفسيرية التقدمية للقرآن الكريم بين تعدد المعنى وثباته، بما يصوغ معالجة قرآنية لانحراف الفهم الذي يؤدي إلى "تطرف سلوكي" يصل أقصى خطورته في تبني الإرهاب كوسيلة لإحداث تغيير أو تغييرات جيوستراتيجية بالمنطقة.

 


رابط دائم:
اهم الاخبار
في كل صباح أذهب إلى البساتين والحقول المزهرة، أقطف من كل بستان زهرة، لأصنع بها عقدًا أهديه لحبيبتي، فحبيبتي تهوى الزهور والطي...
هذه عملية حسابية لمعرفة رقم الصفحة في القرآن الكريم بسرعة عن طريق رقم الجزء ...
يقصد بالمطفيين الذين ينقصون المكيال والميزان ويبخسون حقوق الناس . قال الزجاج : إنما قيل للذي ينقص المكيال والميزان : مطفف لأن...
نوقشت أمس السبت بكلية الآداب جامعة القاهرة رسالة الدكتوراه المقدمة من الباحث أحمد سمير علي مرزوق والتي حصل عليها بتقدير مرتبة...
أدعوكم إلى رحلة نورانية نزور فيها حديقة الأنبياء، وما أدراكم يا سادة ما حديقة الأنبياء؛ فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا...
لَقِيَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ أَبَا هُرَيْرَةَ , فَقَالَ : أَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ فِي سُوقِ الْ...
الإيميل
الإسم
عنوان التعليق
التعليق