.
لماذا لا يستجيب الله الدعاء؟ وما الحكمة من الأزمات والمتاعب؟
04/02/2017
.

 لماذا لا يستجيب الله الدعاء؟ سؤال يدور في ذهن كل منا، فما السبب وراء عدم الاستجابة؟!

 

أيها الأخوة المؤمنون،  حديثٌ من أصول، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كُنْتُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فَقَالَ:

((يَا غُلَامُ، إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ: احْفَظْ اللَّهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظْ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلْ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَلَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتْ الْأَقْلَامُ وَجَفَّتْ الصُّحُفُ))

[أخرجه الترمذي في سننه]

 قال عليه الصلاة والسلام:

((إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلْ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ))

 السائل دائماً مفتقر وذليل، السائل دائماً يشعر بالضعف، والمسؤول دائماً قوي، وغني، ودائماً مسيطر، عبوديتك لله عزَّ وجل، تقتضي ألا تقف موقفاً ذليلاً، إلا لله عزَّ وجل، كرامتك الإنسانية، عزتك كمؤمن، مكانتك كإنسان، أنعم الله عليك بنعمة الوجود، ونعمة الهداية، ألا تقف موقفاً ضعيفاًُ، ذليلاً، مفتقراً لجهةٍ ما، كائنةً مَن كانت، إلا لله عزَّ وجل، فإذا وقفت الموقف الذليل لحضرة الله عزَّ وجل، فهذا قمة العزة، وقمة الشرف.

 

 لذلك يعاب من يشكو الرحيم إلى الذي لا يرحم، حينما تسأل، فأنت ضعيف، حينما تسأل، فأنت ذليل، حينما تسأل، فأنت فقير، لا ينبغي أن تقف هذا الموقف الضعيف أمام مخلوقٍ مثلك، لذلك:

((من جلس إلى غني فتضعضع له ذهب ثلثا دينه))

[ورد في الأثر]

 أين كرامته؟ أين عزته؟ أين مروءته؟ أين موقفه الشهم؟ لذلك مهما مرَّغت جبهتك في أعتاب الله، مهما رجوت ربك في السجود، مهما ألححت عليه في الدعاء، هذا شرفٌ لك ، وهذا عزٌ لك، وهذا رفعةٌ لك، أما أن تقف موقف السائل أمام إنسان قد يجيبك، وربما لا يجيبك، قد يشفق عليك، وقد يشمت بك، قد يحبك، ويتمنى أن يعطيك، ولكنه لا يملك، فلذلك:

((وَإِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللهَ))

 طبعاً هذا الكلام مستنبط من آية الفاتحة:

﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْ تَعِينُ﴾ [سورة الفاتحة الآية: 5]

إليكم استنباط هذا الحديث من هذه الآية، وما هو المعول عليه :

 أيها الأخوة، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

((الدُّعَاءُ مُخُّ الْعِبَادَةِ))[أخرجه الترمذي في سننه]

 من أين جاء بهذا الكلام؟ الله عزَّ وجل قال:

﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [سورة غافر الآية: 60]

 دققوا:

﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾ [سورة غافر الآية: 60]

 لم يقل: إن الذين يستكبرون عن دعائي، بل عن عبادتي، والدعاء عبادة، بل إن الداعي يكون في لهفةٍ، وضيقٍ، وشدةٍ، واستغاثةٍ، فعندئذٍ تكون صلته بالله عزَّ وجل من أوثق الصلات، لهذا قال عليه الصلاة والسلام:

((الدُّعَاءُ مُخُّ الْعِبَادَةِ))

 عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((سَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ، فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُحِبُّ أَنْ يُسْأَلَ، وَأَفْضَلُ الْعِبَادَةِ انْتِظَارُ الْفَرَجِ))[أخرجه الترمذي في سننه]

 فضل الله كبير، وفضله عميم، وفضله واسع، أنت قد تسأل إنساناً وظيفة فيعتذر، قد تسأل إنساناً مالاً فيقول لك: والله أديت زكاة مالي، لا يوجد معي مال، الإنسان محدود، ماله محدود، إمكانياته محدودة، صدقته محدودة، شواغره محدودة، فإذا ملأ الشاغر انتهى، لكن الله عزَّ وجل فضله عميم، وفضله كبير، وفضله واسع، وأنت عبدٌ له، وهذا الذي يسأله فيعطيه، أنت أقل منه، لا بأس أن تشعر أنك عبدٌ لله، وأنك بإمكانك أن تسأله كما سأله غيرك، وأن الله عزَّ وجل يعطيك كما يعطي غيرك، وأنه ليس بين العباد تفاضل إلا طاعتهم له، صدق القائل:

ملك الملوك إذا وهب قم فاسـألن عن السبب

الله يعطي من يشـاء فقـف على حد الأدب

 هذا الذي أتمناه على كل أخٍ مؤمن؛ في سجوده، في صلاته، في صلاة الفرض، في صلاة السنة، في قيام الليل، لك حاجة، لك قضية، شبح مصيبة، إنسان عدو، ضيق ذات اليد، تتمنى أن تشتري هذا البيت، تتمنى أن تصل إلى هذا الهدف، ما دام لك عند الله حاجة، فالله عزَّ وجل يحب أن تسأله، لكن العبد يكره أن تسأله، والله سبحانه وتعالى يحب أن تسأله، ويحبك إذا سألته، وإذا أعطاك، يعطيك عطاءً جزيلاً، وهو العاطي لا يسأم، وهو الكريم لا يبخل، وهو الحليم لا يعجز.

 

 إذا آمنت بوجود الله إيماناً قوياً، وبأنه يسمعك، وبأنه يحبك، وبأنك عبدٌ له، وأن فضله عميم، وأنه قدير، وأنه غني، وأنه حليم، اسأله، لا أقل لك: جرِّب، لا، فهذه كلمة لا تجوز، لأن الله عزّ وجل لا يجرب، ولا يشارط، ولكن أقول لك: اسأله وانظر، ولا تقل: أنا لا حظ لي، هذا كلام الشيطان، الله لا يحبني، الله ما أعطاني، أينما مشيت، فالطريق مسدود ، هذا كلام المعسرين، قال تعالى:

﴿مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ﴾ [سورة الحج الآية: 15]

 ليعمل عملاً صالحاً يرجو به الله عزَّ وجل، قال تعالى:

﴿ثُمَّ لِيَقْطَعْ﴾[سورة الحج الآية: 15]

 كل معصية:

﴿فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ﴾ [سورة الحج الآية: 15]

 فتعامل مع الله مباشرةً، اسأله، فأنت عبد ومع هذا لا تتجاهل طلباً من عبد مثلك بل تلبي رغبته، فكيف بالواحد الديَّان؟ إن بيوت الله في الأرض المساجد، وإن زوارها هم عمارها، فطوبى لعبدٍ تطيب في بيته، ثم زارني، وحق على المزور، أن يكرم الزائر.

 عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((سَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ، فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ، يُحِبُّ أَنْ يُسْأَلَ))

[أخرجه الترمذي في سننه]

 الله يحب أن يُسأل، إذا زارك صديق ترحب به، وتكرمه، وتقدم له ما تستطيع، ولكن عندما يطلب منك خمسين ألفًا، تجد نفسك قد تغير لون وجهك، وتقول له: لا تؤاخذنا ليس عندي مثل هذا المبلغ، أما الله عزَّ وجل، فيحب أن يُسأل، وعطاؤه لا ينتهي.

 

 عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((سَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ، فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ، يُحِبُّ أَنْ يُسْأَل))

[أخرجه الترمذي في سننه]

 

 وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((مَنْ لَا يَسْأَلْهُ يَغْضَبْ عَلَيْهِ)) [أخرجه أحمد في مسنده]

 

 أنت حينما لا تسأل فلاناً، ترى في أعماقك أنه ضعيف، ليس بإمكانه أن يعطيك، ولا أقول هذا الكلام إلا من باب الحفز، فأنت حينما لا تسأل الله عزَّ وجل، معنى ذلك أنك لا تعرفه، لا تعرف أنه على كل شيءٍ قدير، لا تعرف أنه يستمع إليك تماماً، لا تعرف أنه يحب أن يجيبك، حينما لا تسأله، أنت لا تعرفه، فإذا عرفته تسأله، فمَن لا يسأل الله، يغضب عليه.

 

 عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((لِيَسْأَلْ أَحَدُكُمْ رَبَّهُ حَاجَتَهُ كُلَّهَا، حَتَّى يَسْأَلَ شِسْعَ نَعْلِهِ إِذَا انْقَطَعَ)) [أخرجه الترمذي في سننه]

 

 هل هناك أبلغ من ذلك؟ فقد ورد في الأثر عن رسول الله:

((ليسأل الله أحدكم ملح عجينه، وعلف دابته))

 يقول عليه الصلاة والسلام:((إِذَا سَأَلْتَ فَاسَأَلِ اللهَ))

 هناك معنى مخالف للحديث، المعنى العكسي، أي يجب ألا تسأل غير الله عزَّ وجل، إذن: كأن في هذا الحديث نفيَ سؤال المخلوقين.

 

إليكم هذا النموذج من الصحابة الذين بايعوا رسول الله بأن لا يسألوا الناس شيئاً:

 

 استمعوا هناك أحاديث صحيحة كثيرة جداً، فقد ورد في الأثر:

((قد بايع النبي صلى الله عليه وسلم جماعةٌ من أصحابه على ألا يسألوا الناس شيئاً))

 سيدنا الصديق خليفة رسول الله، يقع في قمة المجتمع الإسلامي، بمرتبةٍ دينية ليس فوقها مرتبة، ومرتبةٍ زمنية ليس فوقها مرتبة، هو بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد ورد في الأثر:

((ما طلعت شمسٌ على رجلٍ بعد نبيٍ أفضل من أبي بكر))

 ومن حيث الزمن: هو خليفة المسلمين، يقع في قمة المجتمع، في رأس الهرم، زمام ناقته على الأرض، وحوله أصحابه، فنزل من على ناقته، والتقط زمام ناقته، وكره أن يسأل أصحابه، أن يعطوه إياه.

 

 فبايع النبي صلى الله عليه وسلم جماعة من أصحابه على ألا يسألوا الناس شيئاً، منهم أبو بكر الصديق، وأبو ذر الغفاري، وثوبان، وكان أحدهم يسقط السوط، أو خطام ناقته، فلا يسأل أحداً أن يناوله إياه، هناك قصص عن الصحابة، شيء لا يكاد يصدق.

 سيدنا الصديق خليفة المسلمين، وقد جيَّش النبي جيشاً، جعل أسامة بن زيد حبه قائداً لهذا الجيش، وكان عمرُه لا يزيد على سبعة عشر عاماً، فركب أسامة ناقته، وكان سيدنا الصديق يمشي على الأرض، فتوقف أسامة أدباً، وقال:

((يا خليفة رسول الله لتركبن أو لأنزلن، قال له: والله لا ركبت ولا نزلت، وما علي أن تغبرَّ قدماي ساعةً في سبيل الله، أراد أن يبجله أمام جنوده))

إليكم هذا الحديث الذي ورد عن رسول الله، كيف وجه السائل الى مقصد الطلب ؟

 أيها الأخوة، تجد إنساناً يشكو لإنسان بحرقة: أنا فقير، وأنفقت راتبي من الأسبوع الأول من الشهر، ليس معي منه شيء، يقولها بكل حرقة وألم.

 

 جاء رجل إلى النبي عليه الصلاة والسلام وقال:

((يا رسول الله، إن بني فلان أغاروا علي، فذهبوا بابني وبإبلي، قال له: إن آل محمد لا يملكون مداً ولا طعاماً، فاسأل الله عزَّ وجل، فرجع إلى امرأته فقالت: ما قال لك؟ فأخبرها، فقالت: نعم، نِعْم ما رد عليك، فما لبث أن رد الله عليه ابنه وإبله أوفر ما كانت، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره، فصعد المنبر، وأثنى عليه، وأمر الناس بمسألة الله عزَّ وجل، والرغبة إليه، وقرأ قوله تعالى:

﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً﴾[سورة الطلاق الآية: 2]

 حدثني أخ كريم من الدعاة إلى الله عزَّ وجل، كان في حديقة الجامعة، فالتقى به طالب من كلية التجارة، قال له: يا أستاذ، أنا شاب في ريعان الشباب، وتاقت نفسي إلى الزواج، وأخاف أن أعصي الله عزَّ وجل، وليس لي ما أتزوج به، فما العمل؟ قال هذا الداعية: هذا الكلام لا تقله لي، بل قله لله في صلاتك، أنا ضعيف، فيأتيه بعد أشهر، أن هذا الشاب، رزقه الله زوجةً، وبيتاً، بشكل عجيب، فروعة الدين أن الإنسان له رب سميع مجيب:

﴿نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيّاً﴾ [سورة مريم الآية: 3]

 بلا صياح، بلا صخب، بلا ضجيج، أحياناً تكون أنت في موقف، لا تستطيع أن تحرك شفتيك، بإمكانك أن تدعو ربك بقلبك، تقول: يا رب أنقذني، يا رب ليس لي إلا أنت ، أنت رب المستضعفين، إلى مَن تكلني؟ إلى عدوٍ يتجهمني؟ أم إلى صديقٍ وكلته أمري؟ فهذا الدعاء، يعني أنك تعرف الله عزَّ وجل، علامة معرفتك بالله دعاؤك.

 

ما هي الحكمة الربانية بأن جعل الحياة مليئة بالأزمات والمتاعب؟

 أيها الأخوة، الحياة كلها متاعب، كلها أزمات، كلها هموم، والله جعلها كذلك، أراد الله عزّ وجل أن يجعلها كذلك، كي نقبل عليه، كي نتجه إليه، كي نفتقر إليه، كي نستعيذ به، لأن الإنسان بصراحة، عندما يبعث الله له كل مطالبه، تجد همته ضعفت، على الرخاء يرتخي، على الرخاء يصير دعاؤه شكلياً، صلاته شكلية، فربنا عزَّ وجل يحب أن يسمع صوت عبده اللهفان، الذي يركض إليه ركضاً، إن لم تأته ركضاً، جاء بك ركضاً، فالبطولة أن تأتيه وحدك، لا أن تؤتى مقيداً إليه، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

((عَجِبَ اللَّهُ مِنْ قَوْمٍ، يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ فِي السَّلَاسِلِ)) [أخرجه البخاري في الصحيح]

 ثبت في الصحيحين عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((إِذَا مَضَى شَطْرُ اللَّيْلِ أَوْ ثُلُثَاهُ، يَنْزِلُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَيَقُولُ: هَلْ مِنْ سَائِلٍ يُعْطَى؟ هَلْ مِنْ دَاعٍ يُسْتَجَابُ لَهُ؟ هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ يُغْفَرُ لَهُ؟ حَتَّى يَنْفَجِرَ الصُّبْحُ))

[أخرجهما البخاري ومسلم في صحيحهما]

 بل هناك حديث قدسي آخر:

((مَن ذا الذي دعاني فلم أجبه؟ من ذا الذي سألني فلم أعطه؟ من ذا الذي استغفرني فلم أغفر له، وأنا أرحم الراحمين؟))

 ما من عبدٍ سألني إلا أعطيته، دعاني إلا أجبته، استغفرني إلا غفرت له.

 

 الطالب بدراسته: يا رب وفقني، يا رب تلهمني الإجابة الصحيحة، التاجر في محله: يا رب ربح تجارتي، فالبضاعة كاسدة، منظر مزعج للتاجر، المستودع المليء، لا بيع ولا شراء، لذلك عندما تكلم الله على التجارة، قال:

﴿وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا﴾ [سورة التوبة الآية: 24]

 فأصعب شيء بالتجارة كساد البضاعة.

 لذلك:

((ما من مخلوقٍ يعتصم بمخلوقٍ دوني، أعرف ذلك من نيته، إلا جعلت الأرض هوياً تحت قدميه، وقطعت أسباب السماء بين يديه، ما من مخلوقٍ يعتصم بي من دون خلقي، أعرف ذلك من نيته، فتكيده أهل السموات والأرض، إلا جعلت له من بين ذلك مخرجا))

 الحياة الدنيا مليئةٌ بقصصٍ تؤكد هذه الحقيقة، اعتصم بالله، وأخلص نيتك لله عزَّ وجل، ولا تخشَ أحداً، كل مَن تراه عينك بيد الله عزَّ وجل، قال تعالى:

﴿فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ * إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾

[سورة هود الآية: 55-56]

 كان الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه يدعو ربه فيقول:

((اللهم كما صنت وجهي عن السجود لغيرك، فصنه عن المسألة لغيرك، ولا يقدر على كشف الضر، وجلب النفع سواك))

إليكم هذه الأية التي تؤكد على مبدأ الاستعانة بالله، ولا يجوز أن يستعان بغيره :

 أيها الأخوة، الآية الكريمة:

﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ﴾ [سورة الأنعام الآية: 17]

 قال بعضهم: إن الله جل وعلا يحب أن يُسأل، وُيْرَغب إليه في الحوائج، ويلح في سؤاله ودعائه، ويغضب على من لا يسأله، ويستدعي من عباده سؤاله، وهو قادرٌ على إعطاء خلقه كلهم سؤلهم من غير أن ينقص من ملكه شيء.

 

((يَا عِبَادِي، لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ، وَآخِرَكُمْ، وَإِنْسَكُمْ، وَجِنَّكُمْ، قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي، فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ، مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي، إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ))

[أخرجه مسلم عن أبي ذر في الصحيح]

 هذه:

((إذا سألت فاسأل الله))

 إذا سألت الله فأنت تعرفه، وإذا سألت غيره فأنت قد أشركت به، عدم سؤالك لله جهلٌ وشرك، وسؤالك إياه معرفةٌ وتوحيد، والسؤال فيه ذل، فيه موقف ضعيف، والمسؤول دائماً قوي وعزيز، فأنت كعبد لله عزَّ وجل، لا يجوز أن تقف موقفاً ضعيفاً ذليلاً أمام مخلوقٍ من العالمين.

 

ماذا نستفيد من قول إبراهيم في هذه الآيات؟

 السيدة عائشة رضي الله عنها لها موقف عجيب، حينما أنزل الله براءتها، فقال لها أبوها: قومي إلى رسول الله واشكريه، قالت: واللهِ لا أقوم إليه، لا أقوم إلا لله عزَّ وجل، هو الذي برأني، فالنبي تبسم، ولم ينزعج، لأنها عرفت الحق لأهله، أن الله برأها، والنبي الكريم احتار، بقي شهراً في حيرة، ماذا يفعل؟.

 لا تنسوا قول سيدنا إبراهيم في القرآن الكريم:

﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ * إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ * قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَاماً فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ * قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ * أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ * قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آَبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ * قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ * أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ * فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ * الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ * وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ * وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾

[سورة الشعراء الآية: 69-82]

 خلق وهدى، ورزق وشفى، وأحيا وأمات وغفر، الله سبحانه وتعالى تفرَّد بالخلق والهداية، والرزق والشفاء، والإحياء والإماتة والمغفرة، فيجب أن تفرده بالسؤال، والطاعة ، والحب، والإخلاص، والتفويض، والاستسلام، والتوكل، ما دام هو وحده، يخلق ويهدي، ويرزق ويشفي، ويحيي ويميت ويغفر، إذاً: يجب أن تسأله وحده، وأن تحبه وحده، وأن تخلص له وحده.

 

هل الإنسان غني عن الله، الأمثلة على ذلك؟

((إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله)).

 

 الإنسان عاجزٌ قطعاً عن الاستقلال عن الله عزَّ وجل بجلب منافعه، ودفع مضاره في الدنيا والآخرة، أي غلطة في جسمك تجعل الحياة جحيماً، إذا زاد الكوليسترول في الشرايين قليلاً، وصل للشريان التاجي، وضاقت لمعة الشريان، تشعر بوجع في الصدر، فتحتاج لعملية تكلفتها مليون ليرة، وقثطرة، وإدخال مواد ظليلة، وترى أين التضيق، وبعد التضيق، ننشر الصدر ونفتحه، ونوقف القلب، ونوصله بقلب صناعي، ونفتح القلب، غلطة بالكليتين تجعل الحياة جحيماً.

 

 أخ كريم قبل أن يتوفاه الله، أصيب بمرض، توقف الكليتين عن العمل، فزار المستشفى أثناء الغسيل، قالت له الممرضة بقسوة: لا تشرب ماء كثيراً، الجهاز معطَّل، شرب الماء نعمة، ما دامت الكليتان تعملان بانتظام.

 

 عضلاتك، أعصابك، البنكرياس، لو تعطل، تصاب بمرض السكري، الغدة النخامية لها عمل، الغدة الدرقية لها عمل، الكظر له عمل، هو مركز توازن السوائل، فأنت فقير إلى الله، فقير بجسمك، فقير بعضلاتك، بأعصابك، بقلبك، برئتيك، بمعدتك، بأمعائك، آلاف الأمراض، ملايين الأمراض، أنت تسمع أن كل مرض له اسم خاص، وأعراض خاصة، وأدوية خاصة، وعلاج خاص، كذلك مرض أهلك في البيت، يجعل البيت جحيماً، أنت تعيش بفضل الله عزَّ وجل.

 

 لذلك إذا استعنت فاستعن بالله، أنت فقير، فقير بكل شيء، نقطة دم صغيرة في أي مكان تجمدت، تؤدي إلى الموت، يقطع عضو من جسدك، بسبب مرض السكر، فهل بيدك الأمر أنت؟ نرجو الله سبحانه وتعالى أن يعافينا من كل داءٍ عُضال.

 

إليكم هذه المعية الخاصة من الله للمؤمن المستقيم على أوامره:

 أيها الأخوة، الإنسان إذا كان في طاعة الله، جوارحه ملتزمة، دخله حلال، عمله طيب، إخلاصه عالٍ، استقامته جيدة، طلبه للعلم شديد، فالله عزَّ وجل يحفظه ويطمئنه، كذلك لا أن يحفظه فقط، قال تعالى:

﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾

[سورة الأنعام الآية: 81-82]

 إذا ظننت ثانية واحدة: أن هذا الشاب المستقيم، الذي عرف الله عزَّ وجل، والذي غض بصره عن محارم الله، والذي ضبط لسانه عن الغيبة والنميمة، والذي حرر دخله من الشبهات، والذي أنفق ماله في طاعة الله، والذي كان محسناً لخلق الله، رحيماً بهم، إذا ظننت لثانية واحدة: أن الله عزَّ وجل سيضيعه أو يهينه، فأنت لا تعرف الله، ستجد الله يلهمه العمل الصحيح، والعمل الشريف، والزوجة الوفية الطاهرة، ويهيّئ له الجو المريح:

﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [سورة النحل الآية: 97]

 أنت تعامل خالق الكون، تعامل رب العالمين، أنت ترجو الله، ترجو رضوانه، وهو يسعدك، ويسلِّمك، ويحفظك، وينصرك، ويؤيدك، ويريك آياته.

 

 أقول لكم هذه الكلمة: الإنسان حينما يستقيم على أمر الله، وحينما يعمل الصالحات ، ماذا يعمل؟ يخطب ود الله عزَّ وجل، إذا ابن أحب أن يخطب ود والده، لبى له حاجاته، وقدم له بعض الهدايا، وعاونه، لا تجد الأب إلا وقد مال للابن، وبادر الأب بشكل غير شعوري، ليقوم بعمل أو بعطاء يعطيه لابنه، ربما يكون مبلغ من المال يتقرب به، فهكذا طبيعة الحياة.

 

 فلما يبادر الإنسان إلى طاعة الله ماذا يفعل؟ إنه يخطب ود الله عزَّ وجل، وربنا عزَّ وجل يبادله حباً بحب، ووداً بود، يرزقه من حيث لا يحتسب، أنقذ له ابنه من مرض، جعل زوجته تعظمه، يلقي عليه ثوب الهيبة، تجد له قيمة عند أهل بيته.

 

 كنت مرة في الحج، رأينا صديقاً يريد أن يطلق زوجته، ما السبب؟ قال لي: وأنا جالس أشاهد على برنامج في التلفاز، ركلتني برجلها أن أغير القناة، أي هيبة هذه؟ الشهواني ينزع الله هيبته من زوجته، لا قيمة له ببيته، يخاطب باسمه وبقسوة، وتكيل له الصاع صاعين، فلذلك حينما يطلب الإنسان ود الله عزَّ وجل، وحينما يطيعه، تجد الله عزَّ وجل يتولاه بالرعاية، والعناية، والتوفيق، والتأييد، والنصر، وهذا معنى قول الله عزَّ وجل:

﴿وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [سورة البقرة الآية: 249]

 هذه معية خاصة.

 

 هل الانسان قادر على تنفيذ أوامر الله من دون الاستعانة به، وكيف يستعين بالله، وما عاقبة من لم يستعن به؟

 أيها الأخوة، العبد محتاجٌ إلى الله في فعل المأمورات، وترك المحظورات، والصبر على المقدورات، أنت محتاج، سيدنا يوسف قال له:

﴿وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ﴾ [سورة يوسف الآية: 33]

 تقول: أخي أنا مؤمن مستقيم، أنا أغض بصري، هذا كلام فيه شرك، قل ربي احفظني، هكذا النبي علمنا، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((إِذَا أَوَى أَحَدُكُمْ إِلَى فِرَاشِهِ، فَلْيَنْفُضْ فِرَاشَهُ بِدَاخِلَةِ إِزَارِهِ، فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي مَا خَلَفَهُ عَلَيْهِ، ثُمَّ يَقُولُ: بِاسْمِكَ رَبِّ وَضَعْتُ جَنْبِي، وَبِكَ أَرْفَعُهُ، إِنْ أَمْسَكْتَ نَفْسِي فَارْحَمْهَا، وَإِنْ أَرْسَلْتَهَا فَاحْفَظْهَا بِمَا تَحْفَظُ بِهِ عِبَادَكَ الصَّالِحِينَ ))

[أخرجهما البخاري ومسلم في صحيحهما]

 فإذا أنت خرجت من بيتك قل: يا رب احفظني، فدائماً الإنسان في فعل المأمورات ، وترك المحظورات، والصبر على المقدورات، أنت بحاجة إلى أن تستعين بالله عزَّ وجل.

 عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلا تَعْجَزْ )) [أخرجه مسلم في الصحيح]

 دائماً في عندنا موقف دقيق جداً: عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ حَدَّثَهُمْ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَضَى بَيْنَ رَجُلَيْنِ، فَقَالَ الْمَقْضِيُّ عَلَيْهِ لَمَّا أَدْبَرَ: حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((إِنَّ اللَّهَ يَلُومُ عَلَى الْعَجْزِ، وَلَكِنْ عَلَيْكَ بِالْكَيْسِ، فَإِذَا غَلَبَكَ أَمْرٌ، فَقُلْ: حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ))[أخرجه أبو داود في سننه]

 حديث خطير جداً، مهمتك كمؤمن أن تشمر، وأن تقول: يا رب أعني، اطلب، لا تستسلم، لا تنهزم، لا تضعف، وتقول: ما بيدي، لا، بيدك، الله يعينك، وما أكثر الأخوة الأكارم الذين استعانوا بالله فأعانهم، ابنك اعمل له برنامج، اجلس معه كل أسبوع جلسة، اجعله يراقبك بكل حركاتك مثلاً، على الفور تيأس، هذا اليأس من علامة القنوط من رحمة الله عزَّ وجل، زوجة لا يمكن اصلاحها، لماذا؟ كلام فيه تألّي على الله عزَّ وجل، الله قال:

﴿وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ﴾ [سورة الأنبياء الآية: 90]

 تعال من باب البر، والإحسان، واللطف، أكرمها، أقنعها، غض البصر عن بعض أخطاءها، تجدها بعد شهر قد تغيرت.

 

 سيدنا معاوية، جاءته رسالة من أحد المواطنين اسمه: عبد الله بن الزبير، فقال له: أما بعد:

 

((فيا معاوية، إن جنودك قد دخلوا أرضي، فانههم عن ذلك، وإلا كان لي ولك شأنٌ، والسلام، قال ابنه يزيد: ماذا نفعل؟ قال له: أرى أن ترسل له جيشاً، أوله عنده، وآخره عندك، يأتوك برأسه، قال: غير ذلك أفضل، أمسك وقال اكتب للكاتب: أما بعد، فقد وقفت على كتابِ ولد حواري رسول الله -هو ابن الزبير- ولقد ساءني ما ساءه، والدنيا كلها هينةٌ جنب رضاه، لقد نزلت له عن الأرض ومَن فيها.

 

-يأتي الجواب-: أما بعد: فيا أمير المؤمنين، أطال الله بقاءك، ولا أعدمك الرأي، الذي أحلك من قومك هذا المحل، قال له: يا بني، من عفا ساد، ومن حلم عظم، ومن تجاوز، استمال إليه القلوب))

 فكلمة لا أقدر، زوجتي لا تنصلح، ابني ما فيه خير، هذا العمل ليس منه فائدة، حسِّنه، ابحث عن الغلط فيه، ما في بيع، تأتي ببضاعة قديمة غير مطلوبة في السوق، وتريد أن تبيعها بسعر مرتفع، طبعاً لا أحد يشتريها، نزِّل سعرها، وبعها برأسمالها أو أقل من رأسمالها، وائتي ببضاعة مستواها أرقى، فوراً ييأس بالعمل، بالتجارة، بالوظيفة، بالزواج، مع أولاده، هذا اليأس السريع دليل الجهل،((استعن بالله ولا تعجز))

 قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((إِنَّ اللَّهَ يَلُومُ عَلَى الْعَجْزِ، وَلَكِنْ عَلَيْكَ بِالْكَيْسِ، فَإِذَا غَلَبَكَ أَمْرٌ، فَقُلْ: حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ))[أخرجه أبو داود في سننه]

 أسعى، العجز تلام عليه، والسعي مطلوب، وحينما أغلب أقول: حسبي الله ونعم الوكيل، إذاً: هذه مشيئة الله عزَّ وجل.

 

 أعرف أسرة ابنها دراسته وسط، وأقل من الوسط، هناك تصميم ليكون طبيبا، أنا ما رأيت أسرة عندها إلحاح مثل هذه الأسرة، أول سنة رسب، الثانية رسب، الثالثة أخذ البكالوريا، ثمانية أعوام كاملة أمضاها في كلية الطب، وبعدها صار طبيبا، فتح عيادة، والآن الدكتور فلان، أعجبني في هذه الأسرة إلحاحها، لم ييأسوا.

 

 أحياناً أسرة ابنها من أول سنة رسب، أخي هذا ليس من أهلَ دراسة، يرسب إنسان سنة يصير عبقريا، أديسون كان ضعيف بالفيزياء، وأنشتاين أكبر عالم رياضيات، طردوه من المدرسة، لضعفه في الرياضيات، وعميد الأدب العربي في مصر توفيق الحكيم، كان ضعيفا باللغة العربية، يمكن أنْ يكون ابنك ضعيفا باللغة، ويصبح في الأخير أديبا، يمكن أنْ يكون ضعيفا بالرياضيات، فيكون رياضيا كبيرا، فهذا اليأس دليل الجهل، القنوط دليل عدم معرفة الله عزَّ وجل، هذه:

((وإذا استعنت فاستعن بالله ))

 اسمعوا الآن: من ترك الاستعانة بالله، واستعان بغيره، وكله الله إلى مَن استعان به، فصار مخذولاً.

 

 سيدنا الحسن كتب إلى سيدنا عمر بن عبد العزيز قال:

((لا تستعن بغير الله فيكلك الله إليه))

 بعض السلف قال:

((يا رب، عجبت لمَن يعرفك، كيف يرجو غيرك؟! وعجبت لمن يعرفك، كيف يستعين بغيرك؟!))

 

 فأنت علامة إيمانك: أن تسأل الله، وأن تستعين بالله، اعرف الله، واستعن به، وخذ كل شيء، خذ حل لكل مشكلة، لكن أنت تارك الله، وجالس مع عبد الله، وعبد الله لئيم، أساسه لئيم، تارك خالق الكون ولاحق العبيد، والعبيد لهم مصالح، وقد تكون عكس مصالحك.

 مرة أخ أراد أن يشتغل بمصلحة فقلت له: اسأل أصحاب المصالح يفيدوك، قال لي: سألت السوق بأكمله، قالوا لي: إياك هذه المصلحة، ما فيها أرباح، المواد الأولية غير مؤمنة، لا يوجد واحد إلا وحطم له أعصابه، كل هؤلاء أصحاب مصالح، أبعدوه عنها، قلت له: اسأل فلان، أعرف إنسانا مؤمنا، قال له: المصلحة ممتازة، موادها الأولية موفورة ، وأرباحها جيدة، وأنا أعاونك فيها، أرأيت المؤمن كيف؟ فلذلك الإنسان إذا استعان بغير الله، أوكله الله إليه، قال تعالى:

﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ﴾[سورة هود الآية: 88]

 

 التوفيق بيد الله عزَّ وجل، تجد طبيبا علمه قليل، وعليه الناس يتقاتلون، وطبيب بخمسين بوردا ولا أحد عنده، إذا استعان الإنسان بالله، يجعل الله شفاء الناس على يده.

 

 عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

((لِكُلِّ شَيْءٍ حَقِيقَةٌ، وَمَا بَلَغَ عَبْدٌ حَقِيقَةَ الْإِيمَانِ، حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَهُ، وَمَا أَخْطَأَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَهُ))

[أخرجه أحمد في مسنده]

ماذا نستفيد من هذه القصة ؟

 الآن من السيرة كما وعدكم في كل درس أن نجمع بين السيرة وبين الحديث.

 رجل وفد على النبي عليه الصلاة والسلام له موقف جدير أن نستمع إليه.

 

قال ابن إسحاق:

((كان الطفيل بن عمرو الدوسي، يحدِّث أنه قدم مكة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم بها، فمشى إليه رجالٌ من قريش، وكان الطفيل رجلاً، شريفاً، شاعراً أريباً.

 

قال هؤلاء الرجال له: إنك قدمت بلادنا، وإن هذا الرجل -أي النبي الكريم - وهو الذي بين أظهرنا، فرَّق جماعتنا، وشتت أمرنا، وإنما قوله كالسحر، يفرق بين المرء وابنه، وبين المرء وأخيه، وبين المرء وزوجه، وإنما نخشى عليك، وعلى قومك، ما قد حل علينا، فلا تكلمه، ولا تسمع منه.

 

 قال: فو الله ما زالوا بي، حتى أجمعت ألا أسمع منه شيئاً، ولا أكلمه، حتى حشوت في أذني، حين غدوت إلى المسجد كرسفاً، فرقاً من أن يبلغني منه شيء.

 

 قال: فغدوت إلى المسجد، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قائمٌ يصلي عند الكعبة، فقمت قريباً منه، فأبى الله إلا أن يسمعني بعض قوله، فسمعت كلاماً حسناً، فقلت في نفسي: واثكلى أماه، والله إني لرجلٌ، لبيبٌ، شاعر، ما يخفى علي الحسن من القبيح، فما يمنعني أن أسمع من هذا الرجل ما يقول، فمكثت حتى انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيته، فتبعته، حتى إذا دخل بيته، دخلت عليه، فقلت: يا محمد، إن قومك قد قالوا لي كذا وكذا، فو الله ما برحوا يخوفونني أمرك، حتى سددت أذني بكرسفٍ، لئلا أسمع قولك، ثم أبى الله إلا أن يسمعني قولك، فسمعت قولاً حسناً، فأعرض علي أمرك، -ما هي القصة؟-.

 

 فعرض عليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم الإسلام، وتلا علي القرآن، فلا والله ما سمعت قولاً قط، أحسن منه، ولا أمراً أعدل منه، فأسلمت وشهدت شهادة الحق، وقلت: يا نبي الله، إني امرؤٌ مطاعٌ في قومي، وإني راجعٌ إليهم، فداعيهم إلى الإسلام، فادع الله لي، أن يجعل الله لي آيةً، تكون عوناً لي عليهم فيما أدعوهم إلي.

 فقال: اللهم اجعل له آية.

 

 قال: فخرجت إلى قومي، حتى إذا كنت بثنيةٍ، تطلعني على الحاضر، وقع نورٌ بين عيني مثل المصباح، قلت: اللهم غير وجهي، إني أخشى أن يظن إنها مثلى، وقعت في وجهي، لفراق دينهم، فتحولت، فوقع في رأس سورتي كالقنديل المعلق، وأنا أن هبط إليهم من الثنية، حتى جئتهم، وأصبحت فيهم، فلما نزلت، أتاني أبي، وكان شيخاً كبيراً، فقلت: إليك عني يا أبت، فلست مني، ولست منك.

 

 فقال: ولمَ يا بني؟.

 قلت: قد أسلمت، وتابعت دين محمد.

 قال: يا بني، فديني دينك، أنا معك كذلك.

 

 قال: فقلت: اذهب فاغتسل إذاً، وطهر ثيابك، ثم تعال، حتى أعلمك ما قد علمت، قال: فذهب، واغتسل، وطهر ثيابه، ثم جاء، فعرضت عليه الإسلام، فأسلم، ثم أتتني صاحبتي –زوجته- فقلت لها: إليك عني، فلست منك، ولست مني.

 

 فقالت: ولم بأبي أنت وأمي؟.

 فقلت: فرق الإسلام بيني وبيني، أسلمت، وتابعت دين محمد.

 قالت: فديني دينك، أنا معك، -لأنه شريف، وله قيمته-.

 

 قال: قلت: فاذهبي، فاغتسلي، ففعلت، ثم جاءت، فعرضت عليها الإسلام، فأسلمت، ودعوت دوساً إلى الإسلام، فأبطؤوا حالي، فجئت رسول الله عليه الصلاة والسلام، وقلت: يا رسول الله، إنه قد غلبني على دوس الزنا، فهذا الزنا حجبهم عني، وما أسلموا معي، فادعوا الله عليهم.

 

 -عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّه عَنْه، قَالَ: جَاءَ الطُّفَيْلُ بْنُ عَمْرٍو إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: إِنَّ دَوْسًا قَدْ هَلَكَتْ، عَصَتْ، وَأَبَتْ، فَادْعُ اللَّهَ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ:

((اللَّهُمَّ اهْدِ دَوْسًا، وَائِت بِهِمْ)) [أخرجه البخاري في الصحيح]

 لماذا تدعو عليهم؟ ادع لهم بالهدى، على الفور تجد الواحد يدعو على الشخص، طول بالك، ادع له بالهدى، ولو كان عدوك، فقال:

((اللَّهُمَّ اهْدِ دَوْسًا، وَائتِ بِهِمْ ))

 انظر إلى النبي، أحلم عليهم، خذهم باللين، بشر ولا تنفر، يسر ولا تعسر، سدد وقارب- فرجعت إليهم، فلم أزل بأرض دوس، أدعوهم إلى الله، ثم قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورسول الله بخيبر، فنزلت المدينة بثمانين أو سبعين بيتاً من دوس، ثمانون بيتا أسلموا معه، ثم لحقنا برسول الله صلى الله عليه وسلم بخيبر، فأسهم لنا مع المسلمين))

 

فهذا الذي وضع في أذنه قطن، كي لا يسمع، أسلم هو، وأبوه، وزوجته، وسبعون أو ثمانون بيتاً من قومه.

 

 يقول أحدهم: أخي إياك أن تحضر، إياك أن تذهب، أنت اذهب، أعطاك الله عقل، وهذا العقل ميِّز فيه.

 

المصدر: موسوعة النابلسي


رابط دائم:
اهم الاخبار
فى السنة الأولى من الهجرة زواج الرسول "صلى الله عليه وسلم" من السيدة عائشة وفى السنة الثالثة من الهجرة غزوة أحد والتى فقد فيه...
من صام رمضان ثم أتبعه بست من شوال كان كصيام الدهر" رواه مسلم في كتاب الصيام بشرح النووي (8/56)، يعني: صيام سنة كاملة
صلة الأرحام والإحسان إلى الأقارب في العيد أمر يحبه الله جل وعلا، قال تعالى: "وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً...
كان الحبيب محمدا يحيي ليلة العيد بزيادةقرب من الله عز وجل ويقول:من قام ليلتي العيدين لله محتسبا لم يمت قلبه يوم تموت القلوب..
يبدأ الناس بتبادل الزيارات للتهنئة بمقدمه السعيد ويتخلل ذلك تقديم أنواع مختلفة من الحلويات، ثم تكثر العزائم المليئة بمختلف صن...
عن فرحة عيد الفطر وآدابه، سيكون حديثنا مع الشيخ سالم عبدالجليل في الحلقة التاسعة والعشرين من "طاقة نور".
الإيميل
الإسم
عنوان التعليق
التعليق