.
فضل صيام يوم عاشوراء.. وذكرها في الأحاديث النبوية
إعداد: أميرة شبل19/09/2018
1
غدًا الجمعة يوافق العاشر من محرم وهو يوم عاشوراء، وعاشوراء بالمد على المشهور، وحكى فيه القصر، وزعم ابن دريد أنه اسم إسلامي، وأنه لا يعرف في الجاهلية. ورد ذلك عليه ابن دحية بأن ابن الأعرابي حكى أنه سمع في كلامهم خابوراء، وبقول عائشة إن أهل الجاهلية كانوا يصومونه‏.‏
وهذا الأخير لا دلالة فيه على رد ما قال ابن دريد‏.‏
 
واختلف أهل الشرع في تعيينه فقال الأكثر هو اليوم العاشر، قال القرطبي عاشوراء معدول عن عاشرة للمبالغة والتعظيم، وهو في الأصل صفة لليلة العاشرة لأنه مأخوذ من العشر الذي هو اسم العقد واليوم مضاف إليها، فإن قيل يوم عاشوراء فكأنه قيل يوم الليلة العاشرة، إلا أنهم لما عدلوا به عن الصفة غلبت عليه الاسمية فاستغنوا عن الموصوف فحذفوا الليلة فصار هذا اللفظ علما على اليوم العاشر، وذكر أبو منصور الجواليقي أنه لم يسمع فاعولاء إلا هذا وضاروراء وساروراء ودالولاء من الضار والسار والدال، وعلى هذا فيوم عاشوراء هو العاشر وهذا قول الخليل وغيره‏:‏ وقال الزين ابن المنير‏:‏ الأكثر على أن عاشوراء هو اليوم العاشر من شهر الله المحرم، وهو مقتضى الاشتقاق والتسمية، وقيل هو اليوم التاسع فعلى الأول فاليوم مضاف لليلته الماضية، وعلى الثاني هو مضاف لليلته الآتية، وقيل إنما سمي يوم التاسع عاشوراء أخذا من أوراد الإبل كانوا إذا رعوا الإبل ثمانية أيام ثم أوردوها في التاسع قالوا وردنا عشرا بكسر العين، وكذلك إلى الثلاثة، وروى مسلم من طريق الحكم بن الأعرج ‏"‏ انتهيت إلى ابن عباس وهو متوسد رداءه فقلت‏:‏ أخبرني عن يوم عاشوراء، قال‏:‏ إذا رأيت هلال المحرم فاعدد وأصبح يوم التاسع صائما، قلت أهكذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يصومه‏؟‏ قال نعم ‏"‏ وهذا ظاهره أن يوم عاشوراء هو اليوم التاسع، لكن قال الزين بن المنير‏:‏ قوله إذا أصبحت من تاسعه فأصبح يشعر بأنه أراد العاشر لأنه لا يصبح صائما بعد أن أصبح من تاسعه إلا إذا نوى الصوم من الليلة المقبلة وهو الليلة العاشرة‏.‏
 
قلت‏:‏ ويقوي هذا الاحتمال ما رواه مسلم أيضا من وجه آخر عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ‏"‏ لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع فمات قبل ذلك ‏"‏ فإنه ظاهر في أنه صلى الله عليه وسلم كان يصوم العاشر وهم بصوم التاسع فمات قبل ذلك، ثم ما هم به من صوم التاسع يحتمل معناه أنه لا يقتصر عليه بل يضيفه إلى اليوم العاشر إما احتياطا له وإما مخالفة لليهود والنصارى وهو الأرجح، وبه يشعر بعض روايات مسلم، ولأحمد من وجه آخر عن ابن عباس مرفوعا صوموا يوم عاشوراء وخالفوا اليهود، صوموا يوما قبله أو يوما بعده، وهذا كان في آخر الأمر، وقد كان صلى الله عليه وسلم يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه بشيء ولا سيما إذا كان فيما يخالف فيه أهل الأوثان، فلما فتحت مكة واشتهر أمر الإسلام أحب مخالفة أهل الكتاب أيضا كما ثبت في الصحيح، فهذا من ذلك، فوافقهم أولا وقال‏:‏ نحن أحق بموسى منكم، ثم أحب مخالفتهم فأمر بأن يضاف إليه يوم قبله ويوم بعده خلافا لهم، ويؤيده رواية الترمذي من طريق أخرى بلفظ ‏"‏ أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بصيام عاشوراء يوم العاشر ‏"‏ وقال بعض أهل العلم‏:‏ قوله صلى الله عليه وسلم في صحيح مسلم ‏"‏ لئن عشت إلى قابل لأصومن التاسع ‏"‏ يحتمل أمرين، أحدهما أنه أراد نقل العاشر إلى التاسع، والثاني أراد أن يضيفه إليه في الصوم، فلما توفي صلى الله عليه وسلم قبل بيان ذلك كان الاحتياط صوم اليومين، وعلى هذا فصيام عاشوراء على ثلاث مراتب‏:‏ أدناها أن يصام وحده، وفوقه أن يصام التاسع معه، وفوقه أن يصام التاسع والحادي عشر والله أعلم‏.‏
 
ثم بدأ المصنف بالأخبار الدالة على أنه ليس بواجب، ثم بالأخبار الدالة على الترغيب في صيامه‏.‏
 
الحديث‏:‏
 
حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ إِنْ شَاءَ صَامَ
 
الشرح‏:‏
 
حديث ابن عمر أورده من رواية عمر بن محمد أي ابن زيد بن عبد الله بن عمر عن عم أبيه سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه، وقد أخرجه مسلم عن أحمد بن عثمان النوفلي عن أبي عاصم شيخ البخاري فيه وصرح بالتحديث في جميع إسناده‏.‏
 
قوله‏:‏ ‏(‏قال النبي صلى الله عليه وسلم يوم عاشوراء إن شاء صام‏)‏ كذا وقع في جميع النسخ من البخاري مختصرا، وعند ابن خزيمة في صحيحه عن أبي موسى عن أبي عاصم بلفظ ‏"‏ إن اليوم يوم عاشوراء فمن شاء فليصمه ومن شاء فليفطره ‏"‏ وعند الإسماعيلي قال ‏"‏ يوم عاشوراء من شاء صامه ومن شاء أفطره ‏"‏ وفي رواية مسلم ‏"‏ ذكر عند رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم عاشوراء فقال‏:‏ كان يوم يصومه أهل الجاهلية، فمن شاء صامه ومن شاء تركه ‏"‏ وقد تقدم في أول كتاب الصيام من طرق أيوب عن نافع عن ابن عمر بلفظ ‏"‏ صام النبي صلى الله عليه وسلم عاشوراء وأمر بصيامه، فلما فرض رمضان ترك ‏"‏ فيحمل حديث سالم على ثاني الحال التي أشار إليها نافع في روايته، ويجمع بين الحديثين بذلك‏.‏
 
الحديث‏:‏
 
حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِصِيَامِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ فَلَمَّا فُرِضَ رَمَضَانُ كَانَ مَنْ شَاءَ صَامَ وَمَنْ شَاءَ أَفْطَرَ
 
الشرح‏:‏
 
حديث عائشة من طريقين‏:‏ الأولى طريق الزهري قال أخبرني عروة، وهو موافق لرواية نافع المذكورة‏.‏
 
والثانية من رواية هشام عن أبيه مثله وفيها زيادة ‏"‏ إن أهل الجاهلية كانوا يصومونه وأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصومه في الجاهلية ‏"‏ أي قبل أن يهاجر إلى المدينة، وأفادت تعيين الوقت الذي وقع فيه الأمر بصيام عاشوراء وقد كان أول قدومه المدينة، ولا شك أن قدومه كان في ربيع الأول فحينئذ كان الأمر بذلك في أول السنة الثانية، وفي السنة الثانية فرض شهر رمضان فعلى هذا لم يقع الأمر بصيام عاشوراء إلا في سنة واحدة ثم فرض الأمر في صومه إلى رأي المتطوع، فعلى تقدير صحة قول من يدعي أنه كان قد فرض فقد نسخ فرضه بهذه الأحاديث الصحيحة، ونقل عياض أن بعض السلف كان يرى بقاء فرضية عاشوراء لكن انقرض القائلون بذلك، ونقل ابن عبد البر الإجماع على أنه الآن ليس بفرض والإجماع على أنه مستحب، وكان ابن عمر يكره قصده بالصوم ثم انقرض القول بذلك، وأما صيام قريش لعاشوراء فلعلهم تلقوه من الشرع السالف ولهذا كانوا يعظمونه بكسوة الكعبة فيه وغير ذلك، ثم رأيت في المجلس الثالث من ‏"‏ مجالس الباغندي الكبير ‏"‏ عن عكرمة أنه سئل عن ذلك فقال‏:‏ أذنبت قريش ذنبا في الجاهلية فعظم في صدورهم فقيل لهم‏:‏ صوموا عاشوراء يكفر ذلك، هذا أو معناه‏.‏
 
الحديث‏:‏
 
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ عَنْ مَالِكٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ سَمِعَ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يَوْمَ عَاشُورَاءَ عَامَ حَجَّ عَلَى الْمِنْبَرِ يَقُولُ يَا أَهْلَ الْمَدِينَةِ أَيْنَ عُلَمَاؤُكُمْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ هَذَا يَوْمُ عَاشُورَاءَ وَلَمْ يَكْتُبْ اللَّهُ عَلَيْكُمْ صِيَامَهُ وَأَنَا صَائِمٌ فَمَنْ شَاءَ فَلْيَصُمْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيُفْطِرْ
 
الشرح‏:‏
 
حديث معاوية من طريق ابن شهاب عن حميد ابن عبد الرحمن أي ابن عوف عنه، هكذا رواه مالك وتابعه يونس وصالح بن كيسان وابن عيينة وغيرهم‏.‏
 
وقال الأوزاعي ‏"‏ عن الزهري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن ‏"‏ وقال النعمان بن راشد ‏"‏ عن الزهري عن السائب بن يزيد ‏"‏ كلاهما عن معاوية، والمحفوظ رواية الزهري عن حميد بن عبد الرحمن قاله النسائي وغيره، ووقع عند مسلم في رواية يونس عن الزهري ‏"‏ أخبرني حميد بن عبد الرحمن أنه سمع معاوية‏"‏‏.‏
 
قوله‏:‏ ‏(‏عام حج على المنبر‏)‏ زاد يونس ‏"‏ بالمدينة ‏"‏ وقال في رواية ‏"‏ في قدمة قدمها ‏"‏ وكأنه تأخر بمكة أو المدينة حجته إلى يوم عاشوراء، وذكر أبو جعفر الطبري أن أول حجة حجها معاوية بعد أن استخلف كانت في سنة أربع وأربعين، وآخر حجة حجها سنة سبع وخمسين والذي يظهر أن المراد بها في هذا الحديث الحجة الأخيرة‏.‏
 
قوله‏:‏ ‏(‏أين علماؤكم‏)‏ ‏؟‏ في سياق هذه القصة إشعار بأن معاوية لم ير لهم اهتماما بصيام عاشوراء، فلذلك سأل عن علماؤهم، أو بلغه عمن يكره صيامه أو يوجبه‏.‏
 
قوله‏:‏ ‏(‏ولم يكتب الله عليكم صيامه الخ‏)‏ هو كله من كلام النبي صلى الله عليه وسلم كما بينه النسائي في روايته، وقد استدل به على أنه لم يكن فرضا قط، ولا دلالة فيه لاحتمال أن يريد‏:‏ ولم يكتب الله عليكم صيامه على الدوام كصيام رمضان، وغايته أنه عام خص بالأدلة الدالة على تقدم وجوبه، أو المراد أنه لم يدخل في قوله تعالى ‏(‏كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم‏)‏ ثم فسره بأنه شهر رمضان، ولا يناقض هذا الأمر السابق بصيامه الذي صار منسوخا، ويؤيد ذلك أن معاوية إنما صحب النبي صلى الله عليه وسلم من سنة الفتح، والذين شهدوا أمره بصيام عاشوراء والنداء بذلك شهدوه في السنة الأولى أوائل العام الثاني، ويؤخذ من مجموع الأحاديث أنه كان واجبا لثبوت الأمر بصومه ثم تأكد الأمر بذلك ثم زيادة التأكيد بالنداء العام ثم زيادته بأمر من أكل بالإمساك ثم زيادته بأمر الأمهات أن لا يرضعن فيه الأطفال وبقول ابن مسعود الثابت في مسلم ‏"‏ لما فرض رمضان ترك عاشوراء ‏"‏ مع العلم بأنه ما ترك استحبابه بل هو باق، فدل على أن المتروك وجوبه‏.‏
 
وأما قول بعضهم المتروك تأكد استحبابه والباقي مطلق استحبابه فلا يخفى ضعفه، بل تأكد استحبابه باق ولا سيما استمرار الاهتمام به حتى في عام وفاته صلى الله عليه وسلم حيث يقول ‏"‏ لئن عشت لأصومن التاسع والعاشر ‏"‏ ولترغيبه في صومه وأنه يكفر سنة، وأي تأكيد أبلغ من هذا‏؟‏
 
الحديث‏:‏
 
حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ حَدَّثَنَا أَيُّوبُ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ قَدِمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ فَرَأَى الْيَهُودَ تَصُومُ يَوْمَ عَاشُورَاءَ فَقَالَ مَا هَذَا قَالُوا هَذَا يَوْمٌ صَالِحٌ هَذَا يَوْمٌ نَجَّى اللَّهُ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ عَدُوِّهِمْ فَصَامَهُ مُوسَى قَالَ فَأَنَا أَحَقُّ بِمُوسَى مِنْكُمْ فَصَامَهُ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ
 
الشرح‏:‏
 
حديث ابن عباس في سبب صيام عاشوراء‏.‏
 
قوله‏:‏ ‏(‏عن أيوب عن عبد الله بن سعيد بن جبير عن أبيه‏)‏ وقع في رواية ابن ماجة من وجه آخر ‏"‏ عن أيوب عن سعيد بن جبير ‏"‏ والمحفوظ أنه عند أيوب بواسطة وكذلك أخرجه مسلم‏.‏
 
قوله‏:‏ ‏(‏قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة فرأى اليهود تصوم‏)‏ في رواية مسلم ‏"‏ فوجد اليهود صياما‏"‏‏.‏
 
قوله‏:‏ ‏(‏فقال ما هذا‏)‏ في رواية مسلم ‏"‏ فقال لهم ما هذا ‏"‏ وللمصنف في تفسير طه من طريق أبي بشر عن سعيد بن جبير فسألهم‏.‏
 
قوله‏:‏ ‏(‏هذا يوم صالح، هذا يوم نجى الله بني إسرائيل من عدوهم‏)‏ في رواية مسلم ‏"‏ هذا يوم عظيم أنجى الله فيه موسى وقومه وغرق فرعون وقومه‏"‏‏.‏
 
قوله‏:‏ ‏(‏فصامه موسى‏)‏ زاد مسلم في روايته ‏"‏ شكرا لله تعالى فنحن نصومه ‏"‏ وللمصنف في الهجرة في رواية أبي بشر ‏"‏ ونحن نصومه تعظيما له ‏"‏ ولأحمد من طريق شبيل بن عوف عن أبي هريرة نحوه وزاد فيه ‏"‏ وهو اليوم الذي استوت فيه السفينة على الجودي فصامه نوح شكرا ‏"‏ وقد استشكل ظاهر الخبر لاقتضائه أنه صلى الله عليه وسلم حين قدومه المدينة وجد اليهود صياما يوم عاشوراء، وإنما قدم المدينة في ربيع الأول، والجواب عن ذلك أن المراد أن أول علمه بذلك وسؤاله عنه كان بعد أن قدم المدينة لا أنه قبل أن يقدمها علم ذلك، وغايته أن في الكلام حذفا تقديره قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة فأقام إلى يوم عاشوراء فوجد اليهود فيه صياما، ويحتمل أن يكون أولئك اليهود كانوا يحسبون يوم عاشوراء بحساب السنين الشمسية فصادف يوم عاشوراء بحسابهم اليوم الذي قدم فيه صلى الله عليه وسلم المدينة، وهذا التأويل مما يترجح به أولوية المسلمين وأحقيتهم بموسى عليه الصلاة والسلام لإضلالهم اليوم المذكور وهداية الله للمسلمين له، ولكن سياق الأحاديث تدفع هذا التأويل، والاعتماد على التأويل الأول‏.‏
 
ثم وجدت في ‏"‏ المعجم الكبير ‏"‏ للطبراني ما يؤيد الاحتمال المذكور أولا، وهو ما أخرجه في ترجمة زيد بن ثابت من طريق أبي الزناد عن أبيه عن خارجة بن زيد بن ثابت عن أبيه قال ‏"‏ ليس يوم عاشوراء باليوم الذي يقوله الناس، إنما كان يوم تستر فيه الكعبة، وكان يدور في السنة، وكانوا يأتون فلانا اليهودي - يعني ليحسب لهم - فلما مات أتوا زيد ابن ثابت فسألوه ‏"‏ وسنده حسن، قال شيخنا الهيثمي في زوائد المسانيد‏:‏ لا أدري ما معنى هذا‏.‏
 
قلت‏:‏ ظفرت بمعناه في كتاب ‏"‏ الآثار القديمة لأبي الريحان البيروني ‏"‏ فذكر ما حاصله‏:‏ أن جهلة اليهود يعتمدون في صيامهم وأعيادهم حساب النجوم، فالسنة عندهم شمسية لا هلالية‏.‏
 
قلت‏:‏ فمن ثم احتاجوا إلى من يعرف الحساب ليعتمدوا عليه في ذلك‏.‏
 
قوله‏:‏ ‏(‏وأمر بصيامه‏)‏ للمصنف في تفسير يونس من طريق أبي بشر أيضا ‏"‏ فقال لأصحابه أنتم أحق بموسى منهم فصوموا ‏"‏ واستشكل رجوعه إليهم في ذلك، وأجاب المازري باحتمال أن يكون أوحى إليه بصدقهم أو تواتر عنده الخبر بذلك، زاد عياض أو أخبره به من أسلم منهم كابن سلام، ثم قال‏:‏ ليس في الخبر أنه ابتدأ الأمر بصيامه، بل في حديث عائشة التصريح بأنه كان يصومه قبل ذلك، فغاية ما في القصة أنه لم يحدث له بقول اليهود تجديد حكم، وإنما هي صفة حال وجواب سؤال، ولم تختلف الروايات عن ابن عباس في ذلك، ولا مخالفة بينه وبين حديث عائشة ‏"‏ إن أهل الجاهلية كانوا يصومونه ‏"‏ كما تقدم إذ لا مانع من توارد الفريقين على صيامه مع اختلاف السبب في ذلك، قال القرطبي‏:‏ لعل قريشا كانوا يستندون في صومه إلى شرع من مضى كإبراهيم، وصوم رسول الله صلى الله عليه وسلم يحتمل أن يكون بحكم الموافقة لهم كما في الحج، أو أذن الله له في صيامه على أنه فعل خير، فلما هاجر ووجد اليهود يصومونه وسألهم وصامه وأمر بصيامه احتمل ذلك أن يكون ذلك استئلافا لليهود كما استألفهم باستقبال قبلتهم، ويحتمل غير ذلك‏.‏
 
وعلى كل حال فلم يصمه اقتداء بهما فإنه كان يصومه قبل ذلك وكان ذلك في الوقت الذي يحب فيه موافقة أهل الكتاب فيما لم ينه عنه‏.‏
 
وقد أخرج مسلم من طريق أبي غطفان - بفتح المعجمة ثم المهملة بعدها فاء - ابن طريف بمهملة وزن عظيم ‏"‏ سمعت ابن عباس يقول‏:‏ صام رسول الله صلى الله عليه وسلم عاشوراء وأمر بصيامه، قالوا أنه يوم تعظمه اليهود والنصارى ‏"‏ الحديث‏.‏
 
واستشكل بأن التعليل بنجاة موسى وغرق فرعون يختص بموسى واليهود، وأجيب باحتمال أن يكون عيسى كان يصومه وهو مما لم ينسخ من شريعة موسى لأن كثيرا منها ما نسخ بشريعة عيسى لقوله تعالى ‏(‏ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم‏)‏ ويقال إن أكثر الأحكام الفرعية إنما تتلقاها النصارى من التوراة‏.‏
 
وقد أخرج أحمد من وجه آخر عن ابن عباس زيادة في سبب صيام اليهود له وحاصلها أن السفينة استوت على الجودي فيه فصامه نوح وموسى شكرا، وقد تقدمت الإشارة لذلك قريبا، وكأن ذكر موسى دون غيره هنا لمشاركته لنوح في النجاة وغرق أعدائهما‏.‏
 
الحديث‏:‏
 
حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ أَبِي عُمَيْسٍ عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي مُوسَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ كَانَ يَوْمُ عَاشُورَاءَ تَعُدُّهُ الْيَهُودُ عِيدًا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَصُومُوهُ أَنْتُمْ
 
الشرح‏:‏
 
أبي موسى هو الأشعري قال ‏"‏ كان يوم عاشوراء تعده اليهود عيدا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ فصوموه أنتم ‏"‏ وفي رواية مسلم ‏"‏ كان يوم عاشوراء تعظمه اليهود تتخذه عيدا ‏"‏ فظاهره أن الباعث على الأمر بصومه محبة مخالفة اليهود حتى يصام ما يفطرون فيه لأن يوم العيد لا يصام، وحديث ابن عباس يدل على أن الباعث على صيامه موافقتهم على السبب وهو شكر الله تعالى على نجاة موسى، لكن لا يلزم من تعظيمهم له واعتقادهم بأنه عيد أنهم كانوا لا يصومونه فلعلهم كان من جملة تعظيمهم في شرعهم أن يصوموه، وقد ورد ذلك صريحا في حديث أبي موسى هذا فيما أخرجه المصنف في الهجرة بلفظ ‏"‏ وإذا أناس من اليهود يعظمون عاشوراء ويصومونه ‏"‏ ولمسلم من وجه آخر عن قيس بن مسلم بإسناده قال ‏"‏ كان أهل خيبر يصومون يوم عاشوراء يتخذونه عيدا ويلبسون نساءهم فيه حليهم وشارتهم ‏"‏ وهو بالشين المعجمة أي هيئتهم الحسنة، وقوله ‏"‏هذا يوم ‏"‏ الإشارة إلى نوع اليوم لا إلى شخصه، ومثله قوله تعالى ‏(‏ولا تقربا هذه الشجرة‏)‏ فيما ذكره الفخر الرازي في تفسيره‏.‏
 
الحديث‏:‏
 
حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى عَنْ ابْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي يَزِيدَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ مَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَحَرَّى صِيَامَ يَوْمٍ فَضَّلَهُ عَلَى غَيْرِهِ إِلَّا هَذَا الْيَوْمَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ وَهَذَا الشَّهْرَ يَعْنِي شَهْرَ رَمَضَانَ
 
الشرح‏:‏
 
حديث ابن عباس أيضا من طريق ابن عيينة عن عبيد الله بن أبي يزيد، وقد رواه أحمد عن ابن عيينة قال ‏"‏ أخبرني عبيد الله ابن أبي يزيد منذ سبعين سنة‏"‏‏.‏
 
قوله‏:‏ ‏(‏ما رأيت الخ‏)‏ هذا يقتضي أن يوم عاشوراء أفضل الأيام للصائم بعد رمضان، لكن ابن عباس أسند ذلك إلى علمه فليس فيه ما يرد علم غيره، وقد روى مسلم من حديث أبي قتادة مرفوعا ‏"‏ إن صوم عاشوراء يكفر سنة، وإن صيام يوم عرفة يكفر سنتين ‏"‏ وظاهره أن صيام يوم عرفة أفضل من صيام يوم عاشوراء، وقد قيل في الحكمة في ذلك إن يوم عاشوراء منسوب إلى موسى عليه السلام ويوم عرفة منسوب إلى النبي صلى الله عليه وسلم فلذلك كان أفضل‏.‏
 
قوله‏:‏ ‏(‏يتحرى‏)‏ أي يقصد‏.‏
 
قوله‏:‏ ‏(‏وهذا الشهر يعني شهر رمضان‏)‏ كذا ثبت في جميع الروايات وكذا هو عند مسلم وغيره، وكأن ابن عباس اقتصر على قوله ‏"‏ وهذا الشهر ‏"‏ وأشار بذلك إلى شيء مذكور كأنه تقدم ذكر رمضان وذكر عاشوراء أو كانت المقالة في أحد الزمانين وذكر الآخر فلهذا قال الراوي عنه‏:‏ يعني رمضان‏.‏
 
أو أخذه الراوي من جهة الحصر في أن لا شهر يصام إلا رمضان لما تقدم له عن ابن عباس أنه كان يقول ‏"‏ لم أر رسول الله صلى الله عليه وسلم صام شهرا كاملا إلا رمضان ‏"‏ وإنما جمع ابن عباس بين عاشوراء ورمضان - وإن كان أحدهما واجبا والآخر مندوبا - لاشتراكهما في حصول الثواب، لأن معنى ‏"‏ يتحرى ‏"‏ أي يقصد صومه لتحصيل ثوابه والرغبة فيه‏.‏
 
الحديث‏:‏
 
حَدَّثَنَا الْمَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ أَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلًا مِنْ أَسْلَمَ أَنْ أَذِّنْ فِي النَّاسِ أَنَّ مَنْ كَانَ أَكَلَ فَلْيَصُمْ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ وَمَنْ لَمْ يَكُنْ أَكَلَ فَلْيَصُمْ فَإِنَّ الْيَوْمَ يَوْمُ عَاشُورَاءَ
 
الشرح‏:‏
 
حديث سلمة بن الأكوع في الأمر بصوم عاشوراء، وقد تقدم في أثناء الصيام في ‏"‏ باب إذا نوى بالنهار صوما ‏"‏ وأخرجه عاليا أيضا ثلاثيا وقد تقدم الكلام عليه هناك، واستدل به على إجزاء الصوم بغير نية لمن طرأ عليه العلم بوجوب صوم ذلك اليوم كمن ثبت عنده في أثناء النهار أنه من رمضان فإنه يتم صومه ويجزئه، وقد تقدم البحث في ذلك والرد على من ذهب إليه، وأن عند أبي داود وغيره أمر من كان أكل بقضاء ذلك اليوم مع الأمر بإمساكه‏.‏
 
والله أعلم‏.‏

رابط دائم:
اهم الاخبار
فلنستمع معا بقلوبنا قبل آذاننا إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم: "وجعلت قرة عيني في الصلاة" ويبين لنا أن "رأس الأمر الإسلام و...
يوم ولد الحبيب سجل التاريخ كرامات ومعجزات دالة على عظم شأنه ومكانته عند ولادته "صلى الله عليه وسلم" منها: ما رواه أحمد: أن ...
إن خلق الحياء من الأخلاق التى مدحها رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ فالحياء لا يأتى إلا بخير.
جاء فى الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس بالخير، وكان أجود ما يكون فى رمضا...
هى امتثال أمر الله بالصلاة عليه.وموافقة الملائكة في الصلاة عليه.موافقته سبحانه وتعالى في الصلاة عليه.حصول عشر صلوات من الله ...
ذكر أهل العلم -رحمهم الله- ليوم الجمعة آدابًا كثيرة، ينبغي للمسلم مراعاتها والحفاظ عليها، ومما ذكروا في ذلك قراءة سورة الكهف...
الإيميل
الإسم
عنوان التعليق
التعليق