.
من «أم الدنيا» إلى «أم القرى»
محمد الدسوقى16/08/2016
.

إذا اختارك الرحمن -عز وجل- «ضيفًا» فى حج هذا العام، ففى رقبتك دين واجب الوفاء.. ادْعُ لمصر بالخير والرخاء.. بالأمن والسلام والمحبة.. ادْعُ لشعبها بالرفعة والعزة والوحدة.. ادْعُ لجيش مصر الباسل بدوام النصر.. ادْعُ لعيونها الساهرة على حماية أمنها.. لسواعدها التى تبنى فى كل ربوعها، ليكن دعاؤك -فى حلك وترحالك، وصعودك وهبوطك، وأول وقوع بصرك على الكعبة الشريفة، وفى طوافك حولها- لمصر وأهلها.. ثق بأن الله تعالى سيستجيب دعاءك، فهو سبحانه لا يخذل ضيوفه.

 

فإذا استويت ساعيا بين الصفا والمروة فلا تقطع الدعاء لمصر وأهلها، وتذكّر أمنا «المصرية» الطاهرة السيدة «هاجر» أول مَنْ شقّ الطريق سعيا بين هذين الجبلين، بحثا عن أسباب الحياة. كان سعيها فصلًا مضيئًا من العلاقات الأزلية الوثيقة بين «أم الدنيا» و«أم القري» كتبه التاريخ بحروف من نور، مسجلًا شهادته للبشرية عن أعظم المشاهد التى تربطنا منذ القدم بهذه الأرض المقدسة حاضنة بيت الله الحرام.

 

(1)

 

كانت صحراء خالية من البشر، لا دليل فيها على حياة.. لم يكن بمقدور أحد أن يتوقع تحولها إلى وطن للعيش الآمن، ومقصد للأفئدة والقلوب من مختلف أنحاء العالم.. وحدها السيدة «هاجر» الزوجة “الثانية” لخليل الله ورسوله سيدنا إبراهيم عليه السلام -بنت «أم الدنيا»- كان لها رأى وموقف مختلفان، تصدرت المشهد حاملة وليدها «إسماعيل» بين ذراعيها.. ترقب حركة زوجها يأخذ طريقه مغادرا.. سألته ألا يتركها ووليدها وحيدين، فلم يجبها..

 

أدركت أن حدثًا جللًا تتهيأ تلك الصحراء لاستقباله، فسألت زوجها: آلله أمرك بهذا؟ فأجابها: نعم. ساعتها وقفت الشابة المصرية «هاجر» على مشارف تاريخ «أم القري» تُشهد الدنيا كلها على إيمانها القوي، وشجاعتها النادرة، وبصيرتها النافذة بمقولتها الخالدة: «لن يضيعنا الله». كلمات ثلاث.. أحسن التاريخ فهمها، وأدرك أسرارها، فحفظها للبشرية ثقة بالله، وأملا فى الحياة. درس عظيم لمن أراد أن يتعلم من أمّنا «هاجر» أول سفيرة من «أم الدنيا» إلى «أم القري».

 

(2)

غاب خليل الله إبراهيم -عليه السلام- عن المشهد، وهو يردد: «رَبِّ اجْعَلْ هَـَذَا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ..»، ومع ثقتها الكبيرة في الله عز وجل، ويقينها من أن دعوات الأنبياء مستجابة، فقد أبت أمنا «هاجر» إلا أن تُعلم البشرية درسًا في السعي والبحث والكد، وعدم التواكل والتنطع.

 

ذهبت فى عزم وإصرار تبحث عن الماء بين جبلي الصفا والمروة، لتنقذ وليدها من عطش يداهمه، وموت يتهدده.. لم تلحق بهدفها، فأعادت السعي، يقودها إيمانها إلى قهر «الألم» بالأمل، وقطع الطريق أمام «اليأس» بالرجاء.

 

ووسط العمل والبذل والإخلاص تأتى جائزة السماء.. ماء زمزم يفيض في المكان، إيذانًا بميلاد مسيرة نماء وبناء، شهدت انطلاقها، وشاركت فيها أمنا «هاجر» بنت «أم الدنيا» وابنها «إسماعيل» عليه السلام.

 

أما الجائزة الربانية الكبرى الدائمة إلى يوم القيامة، فتتجلى في جعل «سعي» السيدة هاجر بين الصفا والمروة ركنًا من أركان الحج والعمرة، لا يصحان بدونه.

 

(3)

تمضي مسيرة التعمير، وتبدأ «أم القري» مرحلة جديدة بمشهد خالد تنفتح به على البشرية كلها.. مشهد جليل يحكيه القرآن الكريم فى قوله تعالي: “وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ”.

 

ويكتمل البناء، ويأمر الله تعالى خليله ورسوله إبراهيم عليه السلام: «وَأَذِّن فِى النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ..».

 

وهكذا انتقلت «أم القري» من المحلية إلى العالمية بأمر الله عز وجل.

 

(4)

هذه «أم القري».. تساقطت على رمالها حبات عرق طاهرة من جبين أمّنا «هاجر» وهى تشارك فى مسيرة نمائها التي أنبتت خيرًا، وارتفعت بناء، وازدانت تعميرًا، وتجملت أخلاقًا.

 

وساعة نتذكر أمّنا «هاجر» إنما نُعرّف الناس بأخلاق «أم الدنيا» التى غرستها فى أبنائها، وعرفتها الأجيال المتعاقبة عطاء بلا مقابل، وإيثارًا دون أثرة، وسلامًا للقريب والبعيد، ومحبة بغير حدود، ورحمة في غير ضعف، فلا مكان لعنف أو تطرف أو إرهاب، ولا مجال لحقد أو انحراف أو فساد.

 

(5)

ادع ُ لمصر وأهلها، وتعلم من أمنا «هاجر» كيف تُقدم «أم الدنيا» شامخة مرفوعة الهامة إلى كل الدنيا؟.

المصدر: الأهرام اليومي

 


رابط دائم:
اهم الاخبار
فى السنة الأولى من الهجرة زواج الرسول "صلى الله عليه وسلم" من السيدة عائشة وفى السنة الثالثة من الهجرة غزوة أحد والتى فقد فيه...
من صام رمضان ثم أتبعه بست من شوال كان كصيام الدهر" رواه مسلم في كتاب الصيام بشرح النووي (8/56)، يعني: صيام سنة كاملة
صلة الأرحام والإحسان إلى الأقارب في العيد أمر يحبه الله جل وعلا، قال تعالى: "وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً...
كان الحبيب محمدا يحيي ليلة العيد بزيادةقرب من الله عز وجل ويقول:من قام ليلتي العيدين لله محتسبا لم يمت قلبه يوم تموت القلوب..
يبدأ الناس بتبادل الزيارات للتهنئة بمقدمه السعيد ويتخلل ذلك تقديم أنواع مختلفة من الحلويات، ثم تكثر العزائم المليئة بمختلف صن...
عن فرحة عيد الفطر وآدابه، سيكون حديثنا مع الشيخ سالم عبدالجليل في الحلقة التاسعة والعشرين من "طاقة نور".
الإيميل
الإسم
عنوان التعليق
التعليق