.
د.عبدالرحمن سالم في حوار لـ "للصفحة الدينية": الصوم حرمان مشروع وتأديب بالجوع وخشوع وخضوع
حوار – محمد حسن:24/06/2016
.

إن شهر رمضان شهر الروحانيات، شهر تطهير النفوس من أدرانها، شهر بعث القيم الدينية الأصيلة الصافية التي تسهم في ضبط الرؤية وإضاءة الطريق وتحديد المسار".

 

" الإسلام حين تناول السياسة قدم الأسس العريضة لبناء سياسي متكامل، وترك التفاصيل الدقيقة ليتم تحديدها في ضوء ظروف الزمان والمكان".

 

ويقول عن التاريخ: نعم؛ يعيد التاريخ نفسه، ولولا أن التاريخ يعيد نفسه لما كانت هناك جدوى من دراسة التاريخ.

 

ويقول عن الأمة العربية: ما يحز في النفس حقيقة هو أن الأمة العربية تملك كل مقومات القوة والتقدم، ولكن هذه المقومات مهدرة بكل أسف!

 

كان هذا أول ما ابتدرنا به الدكتور عبدالرحمن سالم أستاذ التاريخ الإسلامى بكلية دار العلوم.. وإلى نص الحوار.

 

 

- هل ترى أن التاريخ يعيد نفسه؟

نعم؛ يعيد التاريخ نفسه، ولولا أن التاريخ يعيد نفسه لما كانت هناك جدوى من دراسة التاريخ؛ فنحن لا ندرس التاريخ لنتسلى بحكاياته وقصصه، ولكننا ندرسه ليساعدنا في إلقاء الضوء على مستقبلنا وزيادة وعينا به. وهذا هو معنى العبارة التي يحلو لفلاسفة التاريخ أن يرددوها: إن التاريخ هو علم دراسة المستقبل.

 

 

ولكن من الضروري أن نحدد مفهوم عبارة أن التاريخ يعيد نفسه؛ فالأحداث لا تتكرر حرفيًا، ولكن الذي يتكرر هو ما يحيط بالأحداث من ملابسات ومقدمات تترتب عليها نتائج معينة، وهذه النتائج يشبه بعضها بعضًا إلى حد كبير؛ فهي متكررة أو "مُعادة" إذا صح التعبير، وقد شغل فلاسفة التاريخ أنفسهم بهذه القضية.

 

وخلاصة ما انتهوا إليه أن أحداث التاريخ لا تسير سيرًا عشوائيًا، وإنما تسير وفق قوانين محددة تخضع لها هذه الأحداث، وقد اختلفت نظرياتهم في هذا الشأن، ولكن الذي لا خلاف حوله هو وجود هذه القوانين التي تحكم مسار التاريخ.

 

ومن هنا فإن الوعي بالتاريخ يزيد الأمم فهمًا لحاضرها وإدراكًا لما قد يكشف عنه مستقبلها؛ ومن ثم تستطيع أن تكون على بصيرة بأسلوب التعامل مع الأحداث.

 

- بناءً على هذا، ما هو الأسلوب الأمثل لتدريس التاريخ؟

هذا سؤال يتفرع عن السؤال المحوري السابق. لابد أن نؤكد في البداية أن الهدف من تدريس التاريخ ليس هو حشو الأذهان بركام من المعلومات التي قد تثقل الذهن وترهقه وتصيبه بما يسمى "داء التاريخ"، كما يقول بعض فلاسفة التاريخ.

 

وهنا نستحضر ما يقوله ابن خلدون في مقدمته من أن التاريخ في ظاهره لا يزيد على إخبار عن الأيام والدول؛ "وفي باطنه نظر وتحقيق، وتحليل للكائنات ومبادئها دقيق، وعلم بكيفيات الوقائع وأسبابها عميق، فهو لذلك أصيل في الحكمة عريق".

 

وداء التاريخ - كما يعبر الفيلسوف الألماني نيتشه – هو العيش في الماضي والانفصال عن الحاضر والمستقبل.

 

ومن هنا يجب على المتصدي لتدريس التاريخ أن يكون حريصًا على تأكيد التآلف بين الماضي والحاضر والمستقبل بحيث لا يطغى عنصر على آخر؛ فدراسة التاريخ إذن - في مجال التاريخ – لا تقصد لذاتها ولكن لما تسهم به في المزيد من الفهم للحاضر والمستقبل.

 

وتحضرني هنا عبارة شهيرة للفيلسوف الفرنسي فولتير (وهو أحد المهتمين بفلسفة التاريخ )، حيث يذكر أنه قرأ وصف أكثر من ثلاثة آلاف معركة وبضع مئات من المعاهدات، ولكنه لم يجد نفسه أكثر حكمة مما كان قبلها.

 

وقد يكون في هذا الكلام قدر من المبالغة، ولكن الأمر المؤكد أن استغراق دارسي التاريخ في التفاصيل يؤثر بالسلب على إبرازهم الكامل لجوهر الأشياء. فعليهم -إذن- أن ينفذوا إلى ما وراء هذه التفاصيل، وأن يلتقطوا الدروس المستفادة من وقائع التاريخ بمفهومه الحضاري الشامل.

 

- بمناسبة هذا الكلام عن التاريخ، وأثره في المستقبل، ما رؤيتك للواقع العربي الآن؟

يؤسفني أن أقول إن الواقع العربي يثير الحسرة والألم. على أن ما يحز في النفس حقيقة هو أن الأمة العربية تملك كل مقومات القوة والتقدم، ولكن هذه المقومات مهدرة بكل أسف، فلدى الأمة العربية - في مجموعها – المقومات الاقتصادية والعلمية والبشرية والروحية، وهي مقومات ترشحها لأن تكون في طليعة الأمم، ولكن: هل تحسن أمتنا التعامل مع هذه المقومات؟ لا بكل الأسى والحزن.

 

لقد ذكرنا سابقًا أن التاريخ يعيد نفسه حين تحدث الملابسات والمقدمات التي من شأنها أن ؤدي إلى نتائج معينة، والتاريخ يخبرنا أن التمزق والتشرذم بين أبناء الأمة الواحدة يؤدي إلى أوخم العواقب، وقد حدث ذلك في الأندلس، والنتيجة معروفة للجميع. إن العرب الآن متشرذمون متصارعون، يقتل بعضم بعضًا، بأسهم بينهم شديد، يخربون بيوتهم بأيديهم، وهم يتولون تدمير انفسهم نيابة عن عدوهم، وعدوهم قرير العين، شديد السعادة بأن ينوبوا عنه في تدمير أوطانهم.

 

كم عدد القتلى الذين يسقطون كل يوم في بلادنا العربية بأيدي العرب أنفسهم؟! إن ما يجري في بلادنا العربية هو انتحار طوعي! أين حكماء العرب وعقلاؤهم ومفكروهم ليحولوا بين العرب وبين هذا الانتحار الذاتي؟ ما هذه الكراسي التي يتصارعون حولها إذا كان الطوفان سيجتاح الجميع ولا منجاة لأحد ؟

 

ولكن يجب ألا نفقد الأمل تمامًا؛ فقد تحث الصدمات الهائلة مراجعة للنفس ويقظة مفاجئة، وهذا ما يحدثنا عنه المؤرخ البريطاني وفيلسوف التاريخ أرنولد توينبي حين يعرض نظريته المشهورة في فلسلفة التاريخ وهي نظرية "التحدي والاستجابة"؛ فعندما يشتد التحدي ويهدد كيان الأمة قد تحدث استجابة تناظر حجم هذا التحدي، وتعود الأمة لرشدها، وتجند كل طاقاتها لمواجهة هذا التحدي والخروج من المنحدر. فهل تفيق الأمة العربية قبل فوات الأوان ؟ هذا ما نسأل الله أن يعين الأمة على تحقيقه، وما ذلك على الله ببعيد.

 

- وأخيرا: كيف ترى رمضان هذا العام؟

يأتي رمضان هذا العام وحال الأمة العربية لا يسعد إلا أعداءها.

إنني أطمع أن يسهم رمضان هذا العام في جمع الأمة العربية على كلمة سواء.

 

إن شهر رمضان شهر الروحانيات، شهر تطهير النفوس من أدرانها، شهر بعث القيم الدينية الأصيلة الصافية التي تسهم في ضبط الرؤية وإضاءة الطريق وتحديد المسار.

 

وإذا كان رمضان شهر القرآن فعلى الأمة أن تقوم بتفعيل توجيهات القرآن، على كل من يقرأ قوله تعالى: "إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعًا لست منهم في شيء" ( الأنعام: 159 )، أو قوله تعالى: "واعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا" ( آل عمران: 103 )، أو قوله تعالى: "إن هذه أمتكم أمة واحدة" (الأنبياء: 92 )، على كل من يقرأ أمثال هذه الآيات ألا يمر عليها مرور الكرام، بل عليه أن يستوعبها ويبذل قصاراه لتطبيقها حتى تنجو أمتنا من هذه الوهدة التي سقطت فيها. إذا لم نفعل ذلك فإننا نكون كهؤلاء الذين يقرأون القرآن دون أن يتجاوز حناجرهم. لعل هذا الشهر الفضيل – إذن – يكون فرصة ذهبية أمام أمتنا لمراجعة النفس والخروج من هذا المستنقع.

 

والغريب أن الكثيرين منا حولوا رمضان إلى شهر للمأكل والمشرب، ونقرأ في وسائل إعلامنا ما يشعرنا أننا مقدمون على معركة حربية حين نقرأ عن الاستعدادات لاستقبال هذا الشهر.

 

وتختزل هذه الاستعدادات في توفير المواد التموينية مع أن رمضان موسم للصوم عن الطعام لا للإسراف في تناوله. نعم لابد من الطعام للصائم ولكن بالقدر الذي لا يسلب من هذا الشهر مغزاه، فالصوم حرمان مشروع، وتأديب بالجوع، وخشوع لله وخضوع، كما يقول أحمد شوقي في "أسواق الذهب": علينا أن نجعل من رمضان هذا العام مناسبة حقيقية للنجاة بأنفسنا وأمتنا من المعاناة التي تحيط بنا وتهددنا في صميم وجودنا.

 

أعاد الله هذا الشهر الكريم على الأمة العربية والإسلامية وهي أصلب عودًا وأرفع شأنًا.


رابط دائم:
اهم الاخبار
فى السنة الأولى من الهجرة زواج الرسول "صلى الله عليه وسلم" من السيدة عائشة وفى السنة الثالثة من الهجرة غزوة أحد والتى فقد فيه...
من صام رمضان ثم أتبعه بست من شوال كان كصيام الدهر" رواه مسلم في كتاب الصيام بشرح النووي (8/56)، يعني: صيام سنة كاملة
صلة الأرحام والإحسان إلى الأقارب في العيد أمر يحبه الله جل وعلا، قال تعالى: "وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً...
كان الحبيب محمدا يحيي ليلة العيد بزيادةقرب من الله عز وجل ويقول:من قام ليلتي العيدين لله محتسبا لم يمت قلبه يوم تموت القلوب..
يبدأ الناس بتبادل الزيارات للتهنئة بمقدمه السعيد ويتخلل ذلك تقديم أنواع مختلفة من الحلويات، ثم تكثر العزائم المليئة بمختلف صن...
عن فرحة عيد الفطر وآدابه، سيكون حديثنا مع الشيخ سالم عبدالجليل في الحلقة التاسعة والعشرين من "طاقة نور".
الإيميل
الإسم
عنوان التعليق
التعليق