التاريخ   24 ابريل 2014 م /
.
سياسة أبي بكر الشرعية فى الحكم
لشيخ أحمد الزومان 18/08/2013
2
1

من المعروف عند كل من يؤمن بالإسلام منهجا لسياسة الدين والدنيا أن أفضل سياسة بعد سياسة النبي -صلى الله عليه وسلم- هي سياسة الصحابة -رضي الله عنهم- وخصوصا الخلفاء الأربعة الذين أُمرنا بالاقتداء بهم ففي حديث العرباض بن سارية -رضي الله عنه- " فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ يَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ فَإِنَّهَا ضَلَالَةٌ فَمَنْ أَدْرَكَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَعَلَيْهِ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ " رواه الترمذي (2676) وقال حديث حسن صحيح.

وبالأخص سياسة أبي بكر وعمر -رضي الله عنهما- في حديث أبي قتادة -رضي الله عنه- الطويل فَإِنْ يُطِيعُوا أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ يَرْشُدُوا " رواه مسلم (681).
 

وفي هذه الدقائق أذكر جانبا من السياسة الشرعية عند أبي بكر الصديق -رضي الله عنه- في إدارة الدولة الإسلامية وهذه السياسة قائمة على الكتاب والسنة و المجال لا يتسع لذكر أدلة ذلك في كل مسألة أذكرها.


لكن قبل أن أذكر طرفا من السياسة الشرعية عند الصديق -رضي الله عنه-  أنقل قول شيخ الإسلام ابن تيمية في منهاج السنة (7/449-451) في صفة تولي أبي بكر -رضي الله عنه-  الحكم.  قال رحمه الله أبو بكر رضي الله عنه لم يطلب الخلافة لا برغبة ولا برهبة... ولا شهر عليهم سيفا يرهبهم به، ولا كانت له قبيلة ولا أموال تنصره، وتقيمه في ذلك، كما جرت عادة الملوك أن أقاربهم ومواليهم يعاونونهم، ولا طلبها أيضا بلسانه، ولا قال: بايعوني، بل أمر بمبايعة عمر وأبي عبيدة -ر ضي الله عنهما- ومن تخلف عن بيعته كسعد بن عبادة -رضي الله عنه-  لم يؤذه، ولا أكرهه على المبايعة، ولا منعه حقا له، ولا حرك عليهم ساكنا، وهذا غاية في عدم إكراه الناس على المبايعة ثم إن المسلمين بايعوه ودخلوا في طاعته... وخرج منها أزهد مما دخل فيها: لم يستأثر عنهم بشيء ولا أمَّر له قرابة.

وقال ابن كثير البداية والنهاية (6/306) اتفق الصحابة رضي الله عنهم على بيعة الصديق -رضي الله عنه- في ذلك الوقت، حتى علي بن أبي طالب والزبير بن العوام رضي الله عنهما.
 
خطب أبو بكر -رضي الله عنه-  الناس بعد مبايعته ليبين لهم سياسته وطريقة تعامله معهم فقال:

أما بعد أيها الناس، فإني قد وليت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني، الصدق أمانة، والكذب خيانة، والضعيف فيكم قوي عندي حتى أرجع عليه حقه إن شاء الله، والقوي فيكم ضعيف عندي حتى آخذ الحق منه إن شاء الله، لا يدع قوم الجهاد في سبيل الله إلا ضربهم الله بالذل، ولا تشيع الفاحشة في قوم قط إلا عمهم الله بالبلاء، أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم. رواه ابن هشام في سيرته (2/661) و معمر في جامعه (20702) والبيهقي (6/353) وغيرهم وهو صحيح.

قال ابن كثير البداية والنهاية (5/218) عن قوله ولست بخيركم:

من باب الهضم والتواضع فإنهم مجمعون على أنه أفضلهم وخيرهم -رضي الله عنهم-. انتهى ولا مانع أن يكون كلامه على ظاهره فمهما بلغ الرجل من صفات الكمال فلا بد أن يعتريه نقص وأن يقع في خطأ فهو بحاجة إليهم ليكملوا نقصه.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية في منهاج السنة (8/272) عن قوله -رضي الله عنه-:

" فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني" هذا من كمال عدله وتقواه، وواجب على كل إمام أن يقتدي به في ذلك، وواجب على الرعية أن تعامل الأئمة بذلك، فإن استقام الإمام أعانوه على طاعة الله تعالى، وإن زاغ وأخطأ بينوا له الصواب ودلوه عليه، وإن تعمد ظلما منعوه منه بحسب الإمكان، فإذا كان منقادا للحق، كأبي بكر -رضي الله عنه- فلا عذر لهم في ترك ذلك وإن كان لا يمكن دفع الظلم إلا بما هو أعظم فسادا منه، لم يدفعوا الشر القليل بالشر الكثير.

من واجبات الحاكم عند الصديق -رضي الله عنه- حفظ الشريعة ومجاهدة الخارجين عليها وهذا أهم أمر عند الصديق -رضي الله عنه- فقاتل المرتدين ومدعي النبوة حتى ردهم.

من واجبات الحاكم عند الصديق -رضي الله عنه- نشر الدين فأنفذ جيش أسامة وشرع في قتال فارس والروم ومات والمسلمون محاصرون دمشق.

أبو بكر الصديق -رضي الله عنه- يرى أن الحاكم بحاجة إلى رأي الناس ومشاورتهم لصلاح دينهم ودنياهم فعن ميمون بن مهران، قال: "كان أبو بكر -رضي الله عنه- إذا ورد عليه خصم نظر في كتاب الله، فإن وجد فيه ما يقضي به قضى به بينهم، فإن لم يجد في الكتاب،   نظر: هل كانت من النبي صلى الله عليه وسلم فيه سنة؟ فإن علمها قضى بها، وإن لم يعلم خرج فسأل المسلمين فقال: " أتاني كذا وكذا، فنظرت في كتاب الله، وفي سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فلم أجد في ذلك شيئا، فهل تعلمون أن نبي الله -صلى الله عليه وسلم- قضى في ذلك بقضاء؟ "، فربما قام إليه الرهط فقالوا: "نعم،  قضى فيه بكذا وكذا"،  فيأخذ بقضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ". قال جعفر وحدثني غير ميمون أن أبا بكر رضي الله عنه كان يقول عند ذلك: "الحمد لله الذي جعل فينا من يحفظ عن نبينا -صلى الله عليه وسلم-"، وإن أعياه ذلك دعا رءوس المسلمين وعلماءهم، فاستشارهم، فإذا اجتمع رأيهم على الأمر قضى به" رواه البيهقي (10/114) وصحح إسناده الحافظ ابن حجر في الفتح (13/342).

قال شيخ الإسلام ابن تيمية في منهاج السنة (5/463) الإمام ليس هو ربا لرعيته حتى يستغني عنهم، ولا هو رسول الله إليهم حتى يكون هو الواسطة بينهم وبين الله وإنما هو والرعية شركاء يتعاونون هم وهو على مصلحة الدين والدنيا، فلا بد له من إعانتهم، ولا بد لهم من إعانته، كأمير القافلة الذي يسير بهم في الطريق إن سلك بهم الطريق اتبعوه، وإن أخطأ عن الطريق نبهوه وأرشدوه.

أبو بكر الصديق -رضي الله عنه- يرى أن الشرع يطبق على الجميع فلا أحد يستثنى من ذلك حتى الخليفة نفسه فعن طارق بن شهاب -رضي الله عنه- قال: لطم أبو بكر -رضي الله عنه- يوما رجلا لطمة، فقيل: ما رأينا كاليوم قط،  منعه ولطمه،  فقال أبو بكر -رضي الله عنه-: إن هذا أتاني ليستحملني،  فحملته فإذا هو يبيعهم، فحلفت أن لا أحمله:  والله لا حملته،  ثلاث مرات ثم قال له: اقتص، فعفا الرجل. رواه ابن أبي شيبة (9/ 446) بإسناد صحيح فلما لطم أبو بكر -رضي الله عنه- الرجل ورأى أنه أخطأ عليه مكنه من الاقتصاص منه فطلب منه أن يلطمه فعفا عنه الملطوم.
 

الحاكم عند أبي بكر -رضي الله عنه- إنما هو أجير عند المسلمين فهو موظف كسائر موظفي الدولة في استحقاقاته المالية فعن عائشة -ر ضي الله عنها- قالت لَمَّا اسْتُخْلِفَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ -رضي الله عنه- قَالَ لَقَدْ عَلِمَ قَوْمِي أَنَّ حِرْفَتِي لَمْ تَكُنْ تَعْجِزُ عَنْ مَئُونَةِ أَهْلِي وَشُغِلْتُ بِأَمْرِ الْمُسْلِمِينَ فَسَيَأْكُلُ آلُ أَبِي بَكْرٍ مِنْ هَذَا الْمَالِ وَيَحْتَرِفُ لِلْمُسْلِمِينَ فِيهِ" رواه البخاري (2070) وكون الحاكم أجيرا عند الأمة متقرر عند السلف الصحابة والتابعين فعن أبي عبد الله الحرسي قال: دخل أبو مسلم الخولاني على معاوية بن أبي سفيان -رضي الله عنه- فقال: «السلام عليك أيها الأجير» فقال الناس: مه، الأمير يا أبا مسلم، ثم قال: «السلام عليك أيها الأجير» فقال الناس: الأمير، فقال معاوية -رضي الله عنه-: دعوا أبا مسلم فهو أعلم بما يقول... رواه أبو نعيم في فضيلة العادلين (45) وحميد قال ابن عثيمين السياسة الشرعية ص:35. هذا إقرار من معاوية رضي الله عنه أن الخليفة أجير.

أبو بكر الصديق -رضي الله عنه- يرى أن الحاكم له ما يحتاجه من بيت مال المسلمين من مسكن ومركب وخادم ونحوه ينتفع بها حال كونه يتولى أمر المسلمين ثم بعد وفاته تعاد لمن يخلفه فعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: قال أبو بكر -رضي الله عنه- في مرضه الذي مات فيه:  انظروا ما زاد في مالي منذ دخلت في الخلافة فابعثوا به إلى الخليفة من بعدي... قالت عائشة:  فلما مات نظرنا،  فإذا عبد نوبي يحمل صبيانه وناضح كان يسقي عليه  قالت:  فبعثنا بهما إلى عمر -رضي الله عنه-، قالت: فأخبرت، أن عمر -رضي الله عنه- بكى وقال: رحمة الله على أبي بكر لقد أتعب من بعده تعبا شديدا. رواه ابن أبي شيبة (7/15) وأبو عبيد في كتاب الأموال ص:  280 والبيهقي (6/353) بإسناد صحيح.

أبو بكر الصديق -رضي الله عنه-  ينفق الأموال على حوائج الدولة المسلمة وما زاد يوزعه على الناس كلهم صغيرهم وكبيرهم. جاء [أبا بكر -رضي الله عنه-] مال... فقسم بين الناس عشرين درهما عشرين درهما،   وفضلت منه فضلة،   فقسم للخدم خمسة دراهم خمسة دراهم، وقال: إن لكم خداما يخدمونكم ويعالجون لكم، فرضخنا لهم، فقالوا: لو فضلت المهاجرين والأنصار لسابقتهم،  ولمكانهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم،  فقال:  أجر أولئك على الله، إن هذا المعاش للأسوة فيه خير من الأثرة، قال: فعمل بهذا ولايته.. فقال عمر -رضي الله عنه-: إن أبا بكر -رضي الله عنه- رأى في هذا الأمر رأيا، ولي فيه رأي آخر لا أجعل من قاتل رسول الله صلى الله عليه وسلم كمن قاتل معه، ففرض للمهاجرين والأنصار ممن شهد بدرا خمسة آلاف خمسة آلاف، وفرض لمن كان له الإسلام كإسلام أهل بدر ولم يشهد بدرا أربعة آلاف أربعة آلاف... وفرض لأسامة بن زيد -ر ضي الله عنهما- أربعة آلاف، وفرض لعبد الله بن عمر -ر ضي الله عنهما- ثلاثة آلاف، فقال: يا أبت، لم زدته علي ألفا؟ ما كان لأبيه من الفضل ما لم يكن لأبي، وما كان له لم يكن لي، فقال: إن أبا أسامة -ر ضي الله عنهما- كان أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من أبيك، وكان أسامة -رضي الله عنه-  أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منك[1] فالصديق والفاروق -رضي الله عنهما- متفقان على توزيع ما زاد من المال عن الحاجة على المسلمين وإنما اختلفا هل يساوى بين الجميع أو يفضل بعضهم على بعض على قدر بذلهم وتضحيتهم.

الصديق -رضي الله عنه-  قام بما قام به تعبدا لله راغبا في ثواب الله راهبا من عقابه - هذا ما نحسبه ولا نزكي على الله أحدا - فرق بينه وبين من هو راغب في رضا الناس طالب تجديد ولايته مرة أخرى راهب من قدحهم و عزله.

هذا طرف من السياسة الشرعية لأبي بكر  -رضي الله عنه-  مع أن مدة خلافته سنتان وثلاثة أشهر تقريبا.

المسلمون لا ينقصهم النظام السياسي ولهم تجارب مضيئة ووجود أخطاء في الممارسة لا يبرر استيراد نظم من الشرق أو الغرب فليس هذا حلا إنما الحل تصحيح الأخطاء وفق الشريعة المنزلة لا الشريعة  المؤولة أو المبدلة فالمسلمون بحاجة إلى الرجوع إلى دينهم وتطبيقه كما طبقه أسلافهم  .


رابط دائم:
الإيميل
الإسم
عنوان التعليق
التعليق
mohamed helmy
18-12-2012 10:28م
العلم والافادة من رسولنا الحبيب
بارك اللة فيكم على المعلمومات القيمة بذكر رسول اللة
mohamed helmy
18-12-2012 10:28م
العلم والافادة من رسولنا الحبيب
بارك اللة فيكم على المعلمومات القيمة بذكر رسول اللة