.
عرض الرغائب والمغريات
16/07/2012


ولما رأى المشركون قوة المسلمين وشوكتهم بعد إسلام حمزة وعمر رضي الله عنهما اجتمعوا للشروى بينهم ، وليفكروا في أنسب خطوة يقومون بها في أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين . فقال لهم عتبة بن ربيعة العبشمي – من بني عبد شمس بن عبد مناف ، وكان سيداً مطاعاً في قومه – يا معشر قريش ! ألا أقوم لمحمد فأكلمه ، وأعرض عليه أموراً لعله يقبل بعضها ، فنعطيه إياها ويكف عنا ، فقالوا : بلى يا أبا الوليد ! فقم إليه فكلمه ، فذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو جالس في المسجد وحده ، فقال : يا ابن أخي ! إنك منا حيث قد علمت ، من خيارنا حسباً ونسباً ، وإنك قد أتيت قومك بأمر عظيم فرقت به جماعتهم ، وسفهت أحلامهم ، وعبت آلهتهم ودينهم ، وكفرت من مضى من آبائهم ، فاسمع مني أعرض عليك أموراً تنظر فيها لعلك تقبل منها بعضها .

فقال عليه الصلاة والسلام : ( قل يا أبا الوليد أسمع ) .

فقال : يا ابن أخي ! إن كنت تريد بما جئت به من هذا الأمر مالاً جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالاً ، وإن كنت تريد به شرفاً سودناك علينا حتى لا نقطع أمراً دونك ، وإن كنت تريد به ملكاً ملكناك علينا ، وإن كان بك الباءة فاختر أي نساء قريش شئت فلنـزوجك عشراً ، وإن كان هذا الذي يأتيك رئياً من الجن لا تستطيع رده عن نفسك طلبنا لك الطب ، وبذلنا فيه أموالنا ، حتى نبرئك منه . فإنه ربما غلب التابع على الرجل حتى يداوى منه .

فقال عليه الصلاة والسلام : ( أوقد فرغت يا أبا الوليد ) !

قال : نعم .

قال : ( فاسمع مني ) .

قال : أفعل .

فقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( بسم الله الرحمن الرحيم حم تنـزيل من الرحمن الرحيم كتاب فصلت آياته قرآناً عربياً لقوم يعلمون بشيراً ونذيراً فأعرض أكثرهم فهم لا يسمعون وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب فاعمل إننا عاملون )

ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرؤها عليه ، وهو يستمع منه ، وقد ألقى يديه خلف ظهره معتمداً عليهما ، فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قوله تعالى : ( فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود ) وضع عتبة يده على فم رسول الله صلى الله عليه وسلم وناشده الله والرحم مخافة أن يقع ذلك ، وقال حسبك .

ولما انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السجدة سجد ، ثم قال : ( سمعت يا أبا الوليد ) ؟

قال : سمعت .

قال : ( فأنت وذاك ) .

فقام عتبة إلى أصحابه ، فقال بعضهم لبعض : نحلف بالله لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به ، فلما جلس إليهم قالوا : ما وراءك يا أبا الوليد ؟ قال : ورائي أني سمعت قولاً والله ما سمعت مثله قط ، والله ما هو بالشعر ولا بالسحر ولا بالكهانة ، يا معشر قريش ! أطيعوني واجعلوها لي ، وخلوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه ، فاعتزلوه ، فوالله ليكونن لقوله الذي سمعت منه نبأ عظيم ، فإن تصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم ، وإن يظهر على العرب فملكه ملككم ، وعزه عزكم ، وكنتم أسعد الناس به .
قالوا : سحرك والله يا أبا الوليد !

قال : هذا رأيي فيه ، فاصنعوا ما بدا لكم .


رابط دائم:
الإيميل
الإسم
عنوان التعليق
التعليق