.
الهجرة الثانية إلى الحبشة
16/07/2012


واشتد البلاء والعذاب على المسلمين من قريش ندماً منهم على ما فرط منهم من السجود مع المسلمين ، وانتقاماً لما بلغهم عن النجاشي من حسن جواره للمهاجرين ، ونظراً إلى هذه الظروف القاسية أشار رسول الله صلى الله عليه وسلم على أصحابه بالهجرة إلى الحبشة مرة أخرى ، فهاجر اثنان أو ثلاثة وثمانون رجلاً وثمان عشرة امرأة ، وكانت هذه الهجرة الثانية أشق من الأولى ، لأن قريشاً كانوا متيقظين يتابعون حركات المسلمين إلا أن المسلمين كانوا أكثر منهم تيقظاً ، وأحسن منهم حكمة ، وأحكم منهم خطوة ، فقد فاتوهم إلى الحبشة رغم كل الجهود .

مكيدة قريش بمهاجري الحبشة :
          شق على المشركون أن أفلت منهم المسلمون ، ووصلوا إلى مأمن يأمنون فيه على أنفسهم وإيمانهم ، فأرسلوا رجلين من دهاتهم ليسترداهم إلى مكة ، وهما : عمرو بن العاص ، وعبد الله بن ربيعة ، وكانا إذ ذاك على الشرك .

           ونزل الرجلان بالحبشة تحت خطة مدبرة ، فاتصلا أولاً بالبطارقة ، وساقا إليهم الهدايا ، وذكرا لهم الهدف ، ولقناهم الحجة ، حتى وافقوهما ، ثم حضرا إلى النجاشي ، فقدما إليه الهدايا ، ثم كلماه فقالا :

أيها الملك : إنه قد ضوى إلى بلدك غلمان سفهاء فارقوا دينهم ، ولم يدخلوا في دينك ، وجاءوا بدين ابتدعوه ، لا نعرفه نحن ولا أنت ، وقد بعثنا إليك فيهم أشراف قومهم من آبائهم وأعمامهم وعشائرهم لتردهم إليهم ، فهم أعلى بهم عيناً ، وأعلم بما عابوا عليهم ، وعاتبوهم فيه . وأيدهما البطارقة فيما قالاه حسب الخطة .

ولكن النجاشي احتاط في الأمر ، ورأى أن يسمع القضية من الطرفين حتى يتضح له الحق ، فدعا المسلمين ، وسألهم : ما هذا الدين الذي فارقتم فيه قومكم ، ولم تدخلوا به في ديني ولا دين أحد من هذه الملل ؟

فتكلم جعفر بن أبي طالب عن المسلمين ، وقال : أيها الملك : كنا قوماً أهل جاهلية ، نعبد الأصنام ، ونأكل الميتة ، ونأتي الفواحش ، ونقطع الأرحام ، ونسيء الجوار ، ويأكل منا القوي الضعيف ، فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولاً منا ، نعرف نسبه ، وصدقه ، وأمانته ، وعفافه ،فدعانا إلى الله لنوحده ، ونعبده ، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان ، وأمرنا بصدق الحديث ، وأداء الأمانة ، وصلة الرحم وحسن الجوار ، والكف عن المحارم والدماء ، ونهانا عن الفواحش ، وقول الزور ، وأكل مال اليتيم ، وقذف المحصنات ، وأمرنا أن نعبد الله وحده ، لا نشرك به شيئاً ،وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام – فعدد عليه أمور الإسلام- فصدقناه وآمنا به ، واتبعناه على ما جاء به من دين الله ، فعبدنا الله وحده ، فلم نشرك به شيئاً وحرمنا ما حرم الله علينا ، وأحللنا ما أحل لنا ، فعدا علينا قومنا ، فعذبونا ، وفتنونا عن ديننا ، ليردونا إلى عبادة الأوثان ، عن عبادة الله تعالى ، وأن نستحل ما كنا نستحل من الخبائث ، فلما قهرونا ، وظلمونا ، وضيقوا علينا ، وحالوا بيننا وبين ديننا ، خرجنا إلى بلادك ، واخترناك على من سواك ، ورغبنا في جوارك ، ورجونا أن لا نظلم عندك أيها الملك !

فلما سمع النجاشي هذا ، طلب من جعفر قراءة شيء من القرآن ، فقرأ عليه صدراً من كهيعص – سورة مريم – فبكى النجاشي حتى اخضلت – أي ابتلت – لحيته ، وبكى الأساقفة حتى أخضلوا – أي بلوا – مصاحفهم ، ثم قال النجاشي : إن هذا والذي جاء به عيسى ليخرج من مشكاة واحدة .

ثم خاطب مندوبي قريش وقال : انطلقا فلا والله لا أسلمهم إليكما ولا يكادون ، فخرجا .

           وفي اليوم الثاني احتال عمرو بن العاص حيلة أخرى ، فقال للنجاشي : إنهم – أي المسلمين  - يقولون في عيسى ابن مريم قولاً عظيماً .

          فدعاهم النجاشي وسألهم عن ذلك ، فقال جعفر : نقول فيه الذي جاءنا به النبي صلى الله عليه وسلم : هو عبد الله ورسوله ، وروحه ، وكلمته ، ألقاها إلى مريم العذراء البتول .

          فأخذ النجاشي عوداً من الأرض ، ثم قال : والله ما عدا – أي ما جاوز – عيسى ابن مريم ما قلت هذا العود . اذهبوا فأنتم شيوم – أي آمنون – بأرضي ، من سبكم غرم ، من سبكم غرم ، من سبكم غرم ، ما أحب أن لي دبراً – أي جبلاً – من ذهب ، وأني آذيت رجلاً منكم .

ثم أمر برد الهدايا على مندوبي قريش فخرجا مقبوحين ، وأقام المسلمون بخير دار مع خير جار .

حيرة المشركين :
          ولما منى المشركون بالخيبة والفشل في استرداد المسلمين من الحبشة استشاطوا غضباً ، وكادوا يتميزون غيظاً ، وينقضون على بقية المسلمين  بطشاً ، ولا سيما وقد كانوا يرون أن النبي صلى الله عليه وسلم ماض في دعوته ، ولكنهم رأوا أبا طالب قائم بنصرته رغم التهديد والوعيد الشديد ، فاحتاروا في أمرهم ، ولم يدروا ماذا يفعلون ؟ فربما غلبت عليهم الضراوة ، فعادوا إلى التعذيب والتنكيل بالنبي صلى الله عليه وسلم وبمن بقي معه من المسلمين ، وربما فتحوا باب النقاش والجدال ، وربما عرضوا الرغائب والمغريات ، وربما حاولوا المساومة واللقاء في منتصف الطريق ، وربما فكروا في قتل النبي صلى الله عليه وسلم والقضاء على دعوة الإسلام ، إلا أن شيئاً من ذلك لم يجد نفعاً ، ولم يوصلهم إلى المراد ، بل كانت نتيجة جهودهم الخيبة والخسران ، وفيما يلي نقدم صورة مصغرة لكل من ذلك .


رابط دائم:
اهم الاخبار
توصل فريق البحث لنتائجه بعد استخدام نماذج محاكاة رقمية لأجساد رجال ونساء أصحاء من آسيا والهند وأمريكا، بالإضافة إلى نماذج تعا...
يفتتح الدكتور محمد مختار جمعة، وزير الأوقاف، مساء اليوم الإثنين، عقب صلاة التراويح ملتقى الفكر الإسلامي بساحة مسجد الإمام الح...
تعرًّف على موعد انطلاق مدفع الإفطار، فى يوم الإثنين الثالث من شهر رمضان المبارك لعام 1438هـ، وذلك فى محافظة القاهرة، وعلى الم...
السخي يملك زمام القلوب، محفوف بالمحبة من الجميع، أسوة حسنة لغيره، والسخي واثق من عطاء الله تعالى فلا يخشى الفقر ولا الضيم، فه...
ما من إنسان إلا وله في صحائف أعماله الذنوب العظام، التي يُخشى عليه من عاقبتها الوخيمة، ومن هنا كان يحتاج إلى سبيل لإزالتها من...
أصبح الأمام 33 شيخ الجامع الأزهر، محمد مصطفى المراغى، من علماء الأزهر العظماء، ومن القضاة الشرعيين المرموقيين، ومن أهم الفقها...
الإيميل
الإسم
عنوان التعليق
التعليق